فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 189

محمود عباس، وأرغمت أغلب الفصائل الفلسطينية على الاصطفاف خلف المنظمة الشرعية الوحيدة المُمثِلة لشعب فلسطين [1] ، وهي بإيجاز الذراع الممتد في العمق الفلسطيني والمتولي تنفيذ مهام (اللجنة الرباعية) والتي ما تأسست إلا لأجل تقرير وتثبيت الوجود اليهودي حيث تفرض شروطها بكل جلاء على كل من دخل مجلبة الصراع السياسي مع بني صهيون وهي [الاعتراف بإسرائيل كدولة، نبذ العنف والإرهاب، الالتزام بالاتفاقات الموقعة معهم] ، فرجع الأمر إلى اليهود مرة أخرى فأصبحت جميع حبال المؤامرة في اليد اليهودية تحرك هذا تارة وتوقفه أخرى وتهز ذاك حينًا وتسكنه حينًا والجميع بعد هذا يترقب (تحرير فلسطين) عن طريق هذه المسالك المعوجة فما حالهم وحال اليهود إلا كما قيل:"فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"، فيا للعجب!

إذن فكل الشبهات التي أثيرت وتثار حول القضية الفلسطينية في جوانبها المتعددة مرجعها إلى عدم التحرر الفكري من التصورات الزائفة التي داخلتها ومازجتها والتي تتطور مرة بعد مرة بحسب ما تقتضيه ويتطلبه المشروع الصهيوني في المنطقة حتى تصبح في الأذهان حقيقة مسلمة ومنهجًا جاريًا مقبولًا.

إلا أن رأس تلك المنطلقات المنحرفة هو الانجرار وراء البحث عن الإثباتات التاريخية التي تنقب عمن كانت له الأسبقية في سكنى وتملك الأرض المقدسة وما حولها.

وللعودة بالقضية إلى موطنها الطبيعي من حيث الفهم أولًا والتعامل السليم ثانيًا فيجب أن يكون تأصيلنا الشرعي الفقهي لها واضحًا محددًا بحيث يضعها في موطنها الصحيح كغيرها من القضايا الإسلامية المعاصرة المشابهة -وما أكثرها- وأن نستقل في ذلك التأصيل استقلالًا كاملًا منبعثا من خضوعنا للدليل الشرعي مقيدًا بالقواعد المنضبطة في فهمه بعيدًا عن المؤثرات التاريخية والسياسية والإعلامية التي تستدرجنا نحو نتيجة منحرفة خطرة ليس لها في الأحكام الفقهية نصيب إلا أن يكون الوصفَ بالخيانة والخور وتضييع الأمانة والرضى بالدون والهون.

فكلنا يعلم [أن الخطاب العلماني العربي طوال سني الصراع العربي الإسرائيلي ظل يردد أطروحة ممجوجة تقول إن العرب اليبوسيين هم أول من سكن (أورشليم) أو أورسالم قبل مجيء بني إسرائيل

(1) من أكبر المزالق التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية في فلسطين هو حرصها على الاعتراف الدولي بها، وتطوافها في العواصم الدولية لاستجلاب ذلك الاعتراف وإسباغ الشرعية على مطلبهم (العادل) المتمثل في إقامة دولة فلسطينية لا تساوي شبرًا في شبر، والتي في حقيقتها وفحواها ولاية تابعة للدولة العبرية ليس لها من الاستقلال سوى العنوان الممسوخ.

فإن أعظم ما يطمح إليه الغربيون وعلى رأسهم أمريكا ومن يلف في فلكها هو إقرار الجميع -تصريحا أو تلميحًا- بأن المدخل (الشرعي) الوحيد لحل القضية إنما هو عبر الشرعية الدولية أو محافل المجتمع الدولي ونحو ذلك، وأن ما سوى هذا المدخل يعد شيئًا خارجًا عن القانون يؤخذ عليه بالنواصي والأقدام، وعليه فهو تقديم القضية الفلسطينية بأيدينا وعلى إناء من ذهب إلى الذئاب الفاتكة لتمزقها بمخالبها وأنيابها ولسان حالنا -على أفضل الأحوال- يقول لهم:"على رسلكم إنما قدمناها لكم لتمتعوا بها أنظاركم وتقلبوا أفكاركم لا لتملئوا بها بطونكم!!".

ولست أدري أين ذهبت عقول هؤلاء وكيف طُوعت ومُيعت إلى هذا الحد حيث يقرون بأفواههم بأن (المجتمع الدولي) منحاز انحيازًا تامًا إلى الكيان الصهيوني، وأنه يتعامل بالازدواجية مع الأطراف المعنية، وفي نفس الوقت يركضون نحوه ويترقبون نظرة حانية وميلة عاطفة منه ليحل لهم مشكلتهم؛ فسبحان الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت