(اليهود وفلسطين)
هذا ولئن فرضنا جدلًا أن الاعتماد على الحقائق التاريخية ربما يكون مجديًا مع بعض الطوائف الكافرة فإن اليهود قطعًا ليسوا من هؤلاء، فهم-لعنهم الله- قومٌ بهت يكابرون ويصرون على إنكار الحقائق القطعية التي لا امتراء فيها، فوالله لو أن نبي الله داوود وقبله موسى عليهما الصلاة والسلام بل وأحبار بني إسرائيل كلهم قاموا من قبورهم وعاينهم اليهود بأنفسهم معاينة لا غبش معها، وشهدوا عندهم شهادة عقلوها واستيقنوها بأن ملاك الأرض الأصليين لها هم العرب، وأن اليهود لا حق لهم في تملك الأرض المقدسة لقال اليهود عندها (هذا سحر مبين) ولأنكروا ذلك وتنكروا لشهادتهم وردوا القول على قائليه.
فليست هذه هي المرة الأولى التي تغلَّب فيها الكفرة على فلسطين وارتكبوا جرائمهم التي بقي ذكرها شاهدًا تاريخيًا على شدة العداوة التي يخرجونها صريحة كلما سنحت لهم الفرص وتهيأ الظرف، ففي عام (492 هـ) دخل الصليبيون المسجد الأقصى وذبحوا في ساحته أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين، وبقي المسلمون في محنتهم واستمر أنين المسجد الأقصى وشكواه من قرع النواقيس حتى سخَّر الله له بطلًا من أبطال الإسلام فنفر إليه بهمة الرجال وعزيمة الأبطال وبدافع الشعور بالواجب الشرعي وهو القائد المظفر صلاح الدين - رحمه الله - فأعاد فتحه عام (583 هـ) ، ولم يضيع عمره في الركض وراء المحافل الدولية، ولا حاول أن يهون وطأة عدوه بسلخ القضية من إسلاميتها ليجعلها عربية أو أرضية محضة، بل جيَّش وحشد وحرض حتى عرف المسلمون واجبهم، وأدركوا سر نجاحهم وباب نصرهم وهو الجهاد في سبيل الله فخاضوا غمار الحرب غير هيابين، براية صافية وأهداف محددة فما لبث أن انهزم عدوهم واندحر وانكسر فاستقام الأمر ورجعت مآذن المسجد الأقصى لنداء التوحيد والإيمان بعد أن أرهقتها دقات نواقيس الصلبان.
فببساطة هذا هو المدخل والمخرج لحل قضية فلسطين وتحرير أرضها وعتق شعبها من ربقة التسلط اليهودي، وإلا فسنبقى مرهقين في دائرة مغلقة مطبقة لا منفذ لها ولا منقذ منها، والوحوش اليهودية تقضم أرضنا شيئًا فشيئًا، وستستمر (الشرعية الدولية) ومؤسساتها ومنظماتها كلها تعد وتمني، وتغري وترغِّب، لتميت الحماسة، وتقتل الغيرة، وتئد الحمية، وتنأى بنا بعيدا عن تصورنا للقضية تصورا صحيحا وتوصيفنا لها توصيفا دقيقا وحكمنا عليها حكما شرعيا صريحًا، لا نحتاج معه إلى مهاتراتهم ولا إرشاداتهم وتضليلاتهم التي أدخلتنا في أنفاق مظلمة من الألفاظ الغريبة والمفاهيم المحرفة والتصورات المضللة والسياسات المتلاعبة والقرارات المجحفة نسينا معها حقيقة قضيتنا، وصارت القضية قضيتين؛ الأولى: إرجاعها إلى المفهوم الإسلامي الخالص وغرسه في قلوب المسلمين وترسيخه في نفوسهم وإزالة كل التراكمات التي أحدثتها سنون متوالية من التضليل المستمر، مع أنها في أصلها مسألة واضحة محسومة يدركها العامي والعالم.