فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 274

ومثل هذا أنىَّ له أن ينتفع بلا إله إلا الله وهو يمارس نواقضها على مدار الساعة، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ ٍٍ". ثم ألا تعلمون أن لا إله إلا الله قد قيدت بقيود وشروط، منها: العلم، والإخلاص، والصدق، والانقياد، والعمل بها، والحب لها ولأهلها المنافي للكره وغير ذلك .. فهل ترون هؤلاء الطواغيت يقولون لا إله إلا الله بقيودها وشروطها الآنفة الذكر .. ؟!

الرضى: لا، ولكن ابن تيمية وغيره من أهل العلم قد نصوا على وجوب طاعة الأئمة وعدم الخروج عليهم، وإن ظهر منهم بعض الفجور والفسوق ..

الروضة: هذا صحيح، ولكن أي أئمة .. ؟! من لوازم فقه الفتوى ودلائلها معرفة الواقعة والأعيان التي قيلت فيهم هذه الفتوى، وما قاله أهل العلم في الأمويين، والعباسيين، والعثمانيين لا يجوز أن يقال أو يحمل على حكام اجتمعت فيهم جميع خصال الكفر والزندقة والنفاق، وكذلك لا يجوز حمل النصوص الشرعية التي تأمر بطاعة الأئمة المسلمين العدول في المعروف على طاعة حكام الكفر والفجور، كما يفعل ذلك مشايخ السوء والسلطان .. وهؤلاء بفعلهم هذا مثلهم مثل من يقيس الطهارة على النجاسة، والحلال على الحرام، والإيمان على الكفر .. !!

ثم قضيتنا ليست قضية حكام يظهر منهم بعض الفجور والفسوق وإنما حكام ظهر منهم الكفر البواح الذي لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان ..

الرضى: ولكن لا نسلم لكم أن جميع الحكام طواغيت وكفرة ..

الروضة: لا بأس، فالخلاف وارد، وخلافنا على كفر طاغوت من الطواغيت يخضع للحوار والنقاش الهادف، ولا توجد مشكلة عندما يكون مراد الجميع هو الحق وإنصاف الحق، ولكن هذا الخلاف لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يجر إلى التنافر والبغضاء والعداوة، أو أن يترتب عليه ولاء وبراء، وبخاصة إن كان هذا المعين المختلف عليه يستساغ الاختلاف عليه لقرائن تحتمل ذلك، وقد اختلف السلف على كفر الحجاج ومع ذلك ما حملهم اختلافهم على تكفير بعضهم البعض، أو اتهام بعضهم البعضَ الآخر بالخوارج وغير ذلك من الألقاب، وكان طاووس يقول:"عجبًا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا ً"، فرغم وجود الخلاف على كفر الحجاج فما منعه ذلك من اعتبار المخالفين له من أهل العراق إخوانًا له، ولهم عليه حقوق الأخوة الإيمانية ..

الرضى: هذا فقه جميل يحسن الانتباه إليه، وإنها لمصيبة بحق أن ينعكس كل خلاف إلى تفرق وعداوة وبغضاء بين المسلمين ..

الروضة: ومما يذكر في هذا الصدد أن كثيرًا من الناس ـ الذين يسمون أنفسهم دعاة وطلبة علم ـ قد جندوا أنفسهم لخدمة الطواغيت، وسخروا علمهم للجدال عن الطواغيت وتوسيع فقه التأويل والتبرير لهم، واعتبروا موالاة الطواغيت وطاعتهم علامة لأهل السنة والجماعة، والخروج عليهم أو تكفيرهم هو خروج على منهج أهل السنة .. !!

وهؤلاء الذين يوالون الطواغيت ويجادلون عنهم هم أنفسهم الذين لا يسلم منهم علماء الأمة من الطعن، والتفسيق والتضليل والتبديع، وربما التكفير .. !!

فطواغيت الأمة عندهم مرضيين تجب طاعتهم وموالاتهم والدعاء لهم، بينما الموحدين من علماء الأمة يجب تفسيقهم وتضليلهم والبراءة منهم .. !!

على الطواغيت يوسعون دائرة التبريرات والتأويلات إلى حد المبالغة والتكلف، وبشكل يقتضي الخروج عن المألوف والمشروع، ويحملون عليهم جميع النصوص التي تراعي القصد والباطن، بينما على مخالفيهم من علماء الأمة العاملين الموحدين تراهم يضيقون عليهم ساحة التأويل والأعذار، ويقدمون فيهم إساءة الظن في المحتملات والمتشابهات، ويحملون عليهم ـ على الإطلاق ـ النصوص التي تراعي اعتبار الظاهر في الأحكام .. !!

فهم بحق كما قيل عنهم: مرجئة مع طواغيت الكفر والفجور، خوارج مع دعاة الإسلام وعلماء الأمة، وغيرهم من أهل القبلة والإسلام الذين لا يرون رأيهم ولا يسلكون منهجهم، وقد جاء في الحديث أن من صفات الخوارج أنهم:"يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان!"وهكذا هؤلاء .. !

الرضى: الحقيقة أن هذا الفقه الشاذ الذي يجمع بين المتناقضات موجود، وأصبح سمة لكثير من طلبة العلم في هذا الزمان، وربما بعض الدعاة المعروفين .. !!

الروضة: والذي يزيد الطين بلة، أنهم ينسبون شذوذاتهم وانحرافاتهم إلى السلف الصالح، وإلى عقيدة أهل السنة والجماعة، حتى أنك ترى أحدهم يجادل عن الطواغيت ويؤصل لعقيدة المرجئة أو الجهمية ثم بعد ذلك ينسب شذوذاته وضلالته هذه إلى الكتاب والسنة وإلى عقيدة أهل السنة والجماعة .. حيث أنهم وجدوا في هذه النسبة أو الانتساب وسيلة جديدة تسهل تمريرشذوذاتهم وانحرافاتهم وضلالاتهم على الطوام من الناس، بل وعلى كثير من الخواص منهم .. !

فهم يوالون الطواغيت ضد شباب الأمة وعلمائها الموحدين ولكن على الكتاب والسنة!!

ويكذبون على العباد .. ولكن على الكتاب والسنة!!

ويؤلفون المؤلفات التي تؤصل لعقيدة غلاة المرجئة .. ولكن على طريقة الكتاب والسنة!!

ويربون الشباب على اللؤم والحقد والكره والحزبية الباطلة .. ولكن على الكتاب والسنة!!

ويفسقون ويبدعون ويكفرون الدعاة إلى التوحيد لشبهات واهية .. ولكن على الكتاب والسنة .. !!

وهكذا كل باطل من باطلهم ـ حتى يمر على العباد ويجد له رواجًا ـ فهم يلصقونه بالكتاب والسنة، والكتاب والسنة براء منهم ومن باطلهم كبراءة الذئب من دم يوسف وأشد ..

الرضى: هذه الظاهرة موجودة ونحن نسلم لكم بما قدمتم من تفصيل .. ولكن كيف ترون السبيل للخروج من هذه الفتن أو على الأقل التقليل من حجمها .. ؟

الروضة: بدوام التناصح، والتجرد للحق، ونبذ التحزبات الباطلة بشتى أنواعها وصورها، فالحق يجب أن يكون مطلب الجميع وغايتهم وهمهم الأكبر، والمقدم على الأنفس والمال والأشخاص

وجميع الروابط الأرضية، يؤاثرونه على جميع من يخالفه ولو كانوا من المقربين من الأساتذة والأشياخ والدعاة .. فالحق أحب إلينا وهو أولى بالاتباع.

وإنا لنعيذ أنفسنا وإياكم من أن ينطبق على أحدنا قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} فيقع في الشرك وهو لا يدري .. !

الرضى: نسأل الله تعالى أن يعيذنا من ذلك ..

الروضة: إضافة إلى ما تقدم ينبغي أن لا نغفل عن حقوق الأخوة الإيمانية ولوازمها، أو نفرط بها لأسباب وهمية مصطنعة غير واقعية وشرعية، أو لخلافات يتسع لها الفقه الإسلامي، فالأخوة الإيمانية عروة وثقى تعاقدت على الحب في الله والبغض في الله، لا ينقض عراها إلا الكفر والشرك ..

الرضى: جزاكم الله خيرًا، فقد أفدتم وبينتم .. نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا ويعلمنا ما جهلنا ..

-الروضة: اللهم آمين .. وإلى أن يشاء الله لنا بلقاء آخر، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرضى: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

[عبد المنعم مصطفى حليمة 12/ 4/1417 هـ]

(1) انتهى كلام العلماء وهم: محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وصالح بن عبد العزيز، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، رحمهم الله تعالى، انظر الدرر السنية:9/ 197. والمسألة بحثت بتوسع في كتابنا"حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية"، فانظرها ـ إن شئت ـ هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت