العلمانية المؤصلة:
إنجازات الحكام لم تقتصر على إغراق البلاد بالديون أو رهنها في يد الدول الكبرى أو نشر الفساد وحرب الدعاة، لقد كان هناك إنجاز تفتق عن عبقرية خاصة لابد أن نعترف بها: ذلك الإنجاز هو تحويل العلمانية إلى أفضل درجات الطاعة والاتباع، فقد استطاع الحكام بكل هدوء ودهاء تجنيد بعض علماء الدعوة ورموز التيار السلفي الملتزم، والذين يفترض أن يكشفوا نفاقهم وانحرافهم إلى أولياء يتقربون إلى الله بالدفاع عنهم وتزكيتهم.
إن المتأمل يصاب بالصدمة حين يرى مبدأ الالتزام بالدليل الشرعي يتجمد فجأة إذا كان الحاكم طرفًا في أية قضية، ثم يصبح الرأي والعرف والأقوال الشاذة مقدمة على كل دليل شرعي .. نعم، إذا كان الحاكم هو القضية سلكنا مسلك المعتزلة في تقديم العقل على النقل ومسلك المرجئة في حسن الظن بالظالمين وطريقة الخوارج في تصنيف الناس وإصدار الأحكام عليهم.
سبحان الله كأنه ليس في القرآن ولا في السنة نصوص في تغيير المنكر وإصلاح الأمة والدولة والجهر بالإنكار على الظالمين والمبدلين لدين الله، وكان الوعيد الشديد في السكوت على المنكر أمر منسوخ أو ضعيف، وكأنه لم يبق من الدين إلا التسبيح بحمد الظالمين وتقديسهم والاعتذار لهم والدفاع عن ظلمهم وانحرافهم.
لم يعد غريبًا في بلادنا أن ترى عالمًا فاضلًا غير متهم في دينه يتبرع بالدفاع عن الظالمين وهو يرى الحكم بغير ما أنزل الله ويرى إحلال الحرام وتحريم الحلال بقوة السلطة ويرى مظاهرة أعداء الإسلام على المسلمين ويرى محاربة الدعوة والدعاة والتضييق عليهم وتمكين المفسدين والمجرمين ونشر الفساد والرذيلة بقوة السلطة، ويرى ظلم الأمة أفرادًا وجماعات وتضييع البلاد عسكريًا واجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وإغراقها في ديون ثقيلة. يرى كل ذلك وهو من هو في معرفة القرآن والسنة ثم يتجاهل كل النصوص التي توجب عليه أكثر من غيره التصدي لإيقاف عجلة الفساد وتغيير المنكر، ولعله يعلم أنه هو المقصود أكثر من غيره بالوعد والوعيد. ثم يتجاوز كل هذه النصوص الشرعية إلى ظنه وتقديره، فيصبح الآمرون بالمعروف مخربين والناهون عن المنكر خوارج والفاضحون للنفاق والظلم نمامين مغتابين، ودعاة فتنة وفوضى.
إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن داعيًا للفتنة عندما أمر بأطر الظالم على الحق أطرًا وقصره قصرًا أو حين أمر ركاب السفينة أن يأخذوا على يد من يخرقها أو عندما توعّد باللعنة من سكت عن المنكر وعندما جعل سيد الشهداء «رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» . هل يعتقد هؤلاء أنهم أحرص على المجتمع ووحدة الأمة من محمد صلى الله عليه وسلم {حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} ؟
لا غرو بعد ذلك أن نعترف مرة أخرى بدهاء الحكام الذين صادروا عقول هؤلاء بكل نجاح وفعالية وحولوهم إلى سور منيع يحميهم من المصلحين.
ولي الأمر أعرف بالمصلحة:
المصطلحات الشرعية نفهمها بمعانيها ومدلولاتها الشرعية في الكتاب والسنة ونفهمها كما فهمها السلف الصالح. ومن الطبيعي أن تدافع المدرسة السلفية والمنسوبون إلى علماء الدعوة عن هذه الطريقة في الأخذ والتلقي. وهذا منهج محمود ومشكور، ولكن يا ليت هذا المنهج يضطرد في كل أمر. إن من عجائب الزمن أن يصبح بعض المنسوبين إلى علماء الدعوة والمدرسة السلفية المتحمسين لهذا المنهج في مقدمة من يحرف المصطلحات والنصوص الشرعية عن مدلولاتها ومعانيها، إذا كان في تغيير هذه المعاني دفاعًا عن الحكام وانحرافهم.
مصطلح الفتنة ومصطلح المصلحة ومصطلح الحكمة في بلادنا لا يمكن أن تستخدم كما جاءت في الكتاب والسنة، وكما فهمها السلف، لأن في ذلك خطورة شديدة على الحكام وقلب للطاولة عليهم ولابد من حرف هذه المعاني عن مدلولاتها. وأما ما قاله المفسرون وكبار علماء الإسلام من أمثال ابن تيمية وابن القيم عن هذه النصوص والمصطلحات، فيُتجاهل عمدًا أو ربما يردّ عليه.
نحن لا نستغرب أن يتصدى رجل عقلاني متعالم لمثل هذه المهمات ويفلسف المصطلحات حتى يجعل من الحاكم ظلًا لله في الأرض، ورحمته المهداة، ولكن نستغرب أن ينهج هذا النهج من يدعي الالتزام بطريقة السلف في التلقي والفهم والتطبيق.
لم يعد مدلول الفتنة ما جاء في قوله تعالى {ألا في الفتنة سقطوا} وقوله {والفتنة أشد من القتل} بل إن الفتنة عندهم هي انتقاد الحاكم وإنكار المنكرات المعلنة. ولم يعد مدلول الحكمة ما جاء في قوله تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} بل إن الحكمة عندهم هي التودد والخنوع للحاكم والسعي لتقديم رضاه على رضا الله. وأما مفهوم المصلحة فإنه يمثل قمة التناقض في هذا المنهج لأن مجرد عبارة المصلحة غير موجودة في الكتاب والسنة. ومع ذلك فكل ما قرره علماء الأصول في مفهوم المصلحة يتعارض تمامًا مع ما يردده هؤلاء. الواقع المزعج هو أن مفهوم «ولي الأمر أعرف بالمصلحة» والذي ليس له أصل شرعي على كل حال تجاوز مجرد الإقرار من قبل هؤلاء إلى جعل"ولي الأمر"مصدرًا من مصادر التشريع يحلل ويحرم ويقضي ويفتي ويقرر الخطأ والصواب.
العلمانيون في غير بلادنا واجهوا الجميع بحقيقتهم وجهروا بعبارة"ما لقيصر لقيصر وما لله لله". أما في بلادنا فالعلمانية انبثقت من ذات المنهج المتبع في مفهوم"ولي الأمر أعرف بالمصلحة"وبذلك فهي علمانية مشروعة وليس عليها غبار.
نحن أحسن من غيرنا:
من بين المهارات الخاصة التي امتاز بها حكامنا قدرتهم على إقناع البعض أن يعيش المتناقضات .. وأن يقبل الشيء ونقيضه في وقت واحد.
لقد درج كثير من طلبة العلم في بلادنا على تبني المنهج الرصين المبني على قواعد ثابتة ومفاهيم عميقة راسخة، ولا يسع المرء إلا أن يسجل إعجابه بهذا المنهج. فمن المعلوم أن الأمم لا يمكن أن تقوم أو تبنى على الشعارات والصيحات، ولكن هل هذه هي حقيقة الحال؟
إن مجرد نظرة بسيطة تظهر لك قمة التناقض عند التطبيق، ولا تلبث دعوى القواعد الثابتة والمفاهيم الراسخة المبنية على نصوص الشريعة تتحطم كلها على صخرة شعار «نحن أحسن من غيرنا» ويجد طالب الحق نفسه محاصرًا بهذه العبارة الخطيرة ليس لأنه لا يستطيع الردّ عليها ولكن لأن الذي يقولها قد خرج فجأة من ميدان الجدل المنطقي وخالف ذات المسلمات التي يبني عليها جدله.
طبقًا لهذا الشعار كان ينبغي على محمد صلى الله عليه وسلم أن يلجأ إلى الروم لأنهم أحسن من غيرهم فهم أهل كتاب وأقرب إلى الحق من عبدة النار في فارس وعبدة الأصنام في الجزيرة، وهكذا الأنبياء فلربما كانت بعثتهم طبقًا لهذه النظرية غير ضرورية لأنه في كل زمان كان هناك من هو أحسن من غيره، وبذلك فلا بأس أن نبقى تعساء لأن غيرنا أتعس منّا ولا بأس أن نبقى في خطر لأن غيرنا في خطر ماحق ولا بأس أن نبقى في جهل لأن غيرنا في جهل مطبق ولا بأس أن نُظلم وتُؤكل أموالنا ونُؤذى في ديننا لأن غيرنا أشد أذى في دينه ونفسه وعرضه، بل حتى لا بأس أن نكتفي بدعوى تطبيق الإسلام لأن غيرنا لم يردد حتى مجرد الدعوى، وهكذا فنحن أحسن من غيرنا.
ولكن هل نحن حقًا أفضل من غيرنا؟ نعم نحن أحسن من غيرنا فنحن البلد الوحيد في العالم الذي يملكه حكامه ملكًا شخصيًا ويتاجرون بأرضه وأهله ومقدراته، ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يُسرق فيه أكثر من نصف المال العام، ونحن البلد الوحيد في العالم الذي استطاع حكامه أن يدّعوا تطبيق الإسلام وهم يطبقون غيره، ونحن البلد الوحيد في العالم الذي يضع ويغير ويلغي الدستور فيه رجل واحد وفق هواه، وهكذا فنحن لسنا أفضل من غيرنا فحسب بل نحن ليس لنا مثيل، وبلدنا يتحدى أي بلد آخر أن ينجز مثل هذه الإنجازات.
وهكذا فلا مكان لـ"قال الله وقال الرسول"لأن"ولي الأمر"قال وقوله الحق:"نحن أحسن من غيرنا".
نتخطّف من أرضنا:
الطريقة التي يسيطر بها الحكام على عقول بعض أهل العلم في بلادنا طريقة عجيبة والأسلوب الذي ينتهجونه في تسخير لسان هؤلاء وقلمهم ومنصبهم ومركزهم أسلوب فذ ليس له مثيل.
علماءنا تربوا بحمد الله وفضله على الدقة في أمور العقيدة والحساسية الخاصة في قضايا التوحيد، وحُقّ لنا أن نفتخر بتلك التربية، ولكن هل آتت هذه التربية أُكلها في كل حال؟ .. الحقيقة المحزنة أن كل تلك الدقة والحساسية تتلاشى فجأة عند بعض العلماء إذا تدخل"ولي الأمر".
صفاء العقيدة يقتضي الإيمان بأن الأمن والبركة والطمأنينة من فضل الله وأن سبب ذلك هو دوام الطاعة والقضاء على المعاصي وإقامة العدل ورفع الظلم
نعم هذا ما تقتضيه العقيدة ويستلزمه التوحيد، وأما ما يقتضيه رضا الحكام فهو أنهم هم مصدر البركة ومنبع الأمن ومادة الاستقرار وإن البلاد بدونهم جحيم، لا بل إن مجرد الإنكار عليهم محق للبركة، ومجرد انتقادهم نزع للأمن ومجرد بيان نفاقهم خلخلة للاستقرار.
قد تبدو هذه المقولة بشكلها هذا غريبة، ولكن الحقيقة أنها تتردد بكل ثقلها وحجمها بل وبتفاصيلها على لسان بعض طلبة العلم بل والعلماء الكبار، وتتوقف عندهم كل وسيلة من وسائل فهم العقيدة بالدليل الشرعي. وتجدك في درس لأحد المشايخ وهو يشرح كيف أن حكامنا هم الذين أطعمونا من جوع، وآمنونا من خوف، وأغنونا بعد فقر، ثم تجده يستغرق ويسهب في وصف حال هذه البلاد وتعاستها قبل أن يتفضل الحكام بإنقاذها من تلك التعاسة، لا بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيجعل كل أعمال الإصلاح مضيعة لهذه النعمة التي حبانا بها"ولي الأمر".
أما ما جاء في الكتاب والسنة عن سنن الله في خلقه وإن فشو المعاصي وانتشار الظلم وظهور البطر هي أسباب الدمار والهلاك وأن الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أسباب النجاة، كل ذلك ليس في قاموسه، في قاموسه أمر واحد: الحكام هم مصدر كل خير، وخصومهم مصدر كل شر.
إن صفاء العقيدة ليس كلامًا يقال أو درسًا يدرس في أفنية المساجد فحسب، إنها حقائق وتطبيق لابد أن تتمثل في التصرفات والممارسات، ويجب أن يعلم الذين يعزون الأمن والاستقرار إلى الحكام ولا يعزونه إلى الله، ويجعلون السعي للإصلاح من وسائل خلخلة الأمن، يجب أن يعلموا أنهم في محذور شرعي خطير وأن ذلك لا يتوافق أبدًا مع ما يدعون من حرص على صفاء العقيدة وسلامة التوحيد.
بقي أن نقول إن هذه المقولة ليست حدثًا بل قد قيلت لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فما لبث الوحي أن نزل: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} .
[عن نشرة الإصلاح]