قليلٌ من الناس من سمع بما جرى لإخواننا المسلمين في الجزائر على يد قوات الردّة والخسّة خلال هذا الشّهر، فقامت باقتحام أحد أغوار المجاهدين بعد أن حاصرته مدّة طويلة، وهي تعلم علم اليقين أنّ معظم من فيه من الأطفال والنساء، فقتلت فيه قرابة الثلاثين طفلًا وامرأة حسب المعلن عنه من قبل قوات الطاغوت الجزائريّ.
وليس والله العجب في أن يفعلوا ذلك، فطالما بقروا بطون الحوامل، وقطّعوا رؤوس الأطفال، ويتموا الأسر، ومزّقوا الأجساد، ثمّ عادوا وادّعوا - كذبًا وزورًا - أن المجاهدين هم من فعلوا ذلك، وأن التكفيريين يقتلون النساء والأطفال ويكفرون من في بطن أمّه.
أقول: إنّ فعل القوات الجزائريّة ليس مستغربًا عليها، بل لو لم تفعل ذلك لكان مستغربًا، وما كنّا ننتظر منها أن ترحم أطفالنا ونساءنا، وهي تحارب الإسلام وأهله، ثمّ إنها لا تختلف عن غيرها من حكومات الردّة التي ما فتئت تقاتل المسلمين غير مفرِّقة بين طفلٍ ولا امرأة ولا صغير ولا كبير.
العجب كلّ العجب؛ من أصحاب اللحى والعمائم الذين ما إن يسمعوا بصليبيّ أصيب في بلدٍ من البلدان حتى تثور ثائرتهم ويعلوا نباحهم، ويظهر ضجيجهم وطعنهم في أهل الجهاد ونعتهم بشتى الأوصاف بدءًا من الخوارج الضلال وانتهاء بالكفر والحرمان من ريح الجنّة! فضلًا عن الجنّة ذاتها.
إنني أعجب من هؤلاء؛ كيف لا يخجلون من أنفسهم حين يسمعون أن حكوماتهم تقتل النساء والأطفال بغير ذنبٍ وجريرة، ولا يصدر منهم حتى استنكارٌ لطيف، ولا بيانٌ سخيف؛ يحث حكوماتهم على التّثبت في دماء المسلمين؟!
أعجب لهم؛ كيف يختفي ضجيجهم وتخمد أنفاسهم حين يكون القتلى من أهل الإسلام؟!
أعجب لهم؛ كيف يعيشون بين الناس ويظهرون على الشاشات، يحذرون الناس من حرمة الدماء المعصومة، إذا كانت تلك الدماء صليبيّة، فأما إذا كانت دماء أهل الإسلام فلا بأس ولا عيب ولا ضير.
ثلاثون جثّة قُتلت؛ أهؤلاء في نظركم من أهل الإسلام، دعوكم من النساء ... فما بال الأطفال، يا من تدبّجون الفتاوى كلّما نزلت بالصليب نازلة، وحلّت بهم مصيبة، وقتل منهم نجسٌ، ما بال هؤلاء لا وزن لهم عندكم! وما بال النّصارى تهتمون بهم أكثر من أهل الإسلام؟!
حين سمعت خبر الإخوة في الجزائر - وبلغني أن معظمهم نساءٌ وأطفال - تراءت أمام ذهني مئات الصّور الشبيهة، ليس في الجزائر فحسب، بل في كلّ بلاد الإسلام، حتّى في تلك البلد التي تدّعي تطبيق الشريعة، تعجّبت حين سمعت علماءها وخطباءها نفروا عن بكرة أبيهم يبكون على"بول جونسون"العسكريّ الصليبيّ، ويدعون على من قتله، ثم مرت أشهر قليلةٌ وإذا بجنودهم وطواغيتهم يتفاخرون بقتل طفلٍ لم يبلغ الثانية عشرة بعد، ويحكون قصّة قتله في صحفهم، ويروون وقائعها بأنفسهم، ومع ذلك لا تسمع منكرًا من أصحاب اللحى والعمائم، مع أنّه قبل هذه الحادثة بأشهرٍ قليلةٍ قٌتِلَ طفلٌ مسلمٌ في"الخُبر"، أنكر المجاهدون قتله، فلم يرحموهم، ونعتوهم بشتى النعوت.
عجبًا لهؤلاء العلماء؛ يحرمون على المجاهدين قتل الصليبيين، ومحاربة الكافرين، أما هم فحلالٌ لهم أن يقتلوا الأطفال، ومباح أن يبيدوا النساء بعد أن يتركوهنّ بالجوع أشهرًا طويلةً محاصراتٍ خائفاتٍ هلِعات.
مباحٌ أن يُقتل أهل الإسلام، حلال أن تراق دماؤهم، ولن تسمع أحدًا من هؤلاء الذين يتباكون على الصليبيين يبكون على مسلمٍ مقتولٍ عمدًا أو خطأً، أما حين يُقتل صليبيٌّ كفور؛ تصدر الأحكام الدنيوية والأخرويّة على القاتل، قبل أن تخرج روح المقتول.
إنّه يزول العجب من هؤلاء حين تقرأ قول الله جلّ وعلا: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، فتنظر وتقارن وتعرف من يطبّق هذه الآية ويعمل بها، ومن يتركها وراء ظهره.
إن العجب من هؤلاء يزول؛ حين تعلم ما هي مناصبهم، وأرزاقهم، وأعداد قصورهم، وأموالهم في البنوك، وأرصدتهم في المصارف.
يزول عجبك؛ حين ترى الواحد منهم بطنه تسع خمسة أنفُس، فتعلم أيّ عالمٍ هو، وأيّ شرعٍ يتبع، وأيّ عقيدة يعتقد.
ولكنّ عجبك إن زال من هؤلاء الأدعياء على العلم وأهله، وإن زال من أفعال الطاغوت وجنده، فإنّ هناك فئة أخرى لن يزول عجبك منها حتّى توسّد في التراب دفينا.
إنّهم أولئك الحمقى المخدوعون؛ الذين يتمسحون بلحاهُم، ويقبلون أيديهم، ويبرّكون بهم، ويتّبعون سننهم، ويسيرون على نهجهم.
هؤلاء لن يزول منهم عجبك؛ لأنّهم يرون المتناقضات ويجمعون بينها، يرون شيخهم المعمّم يفتي بتضليل الشباب لأنّهم قتلوا عسكريًا صليبيًا، ويحرمهم من الجنة، ويرونه يسكت كالأصم الأبكم حين يسمع بمصاب أهل الإسلام في الأطفال والنساء، ويفتي بوجوب طاعة وليّ الأمر والتّحذير من فكر الخوارج، والنساء صرعى والأطفال قتلى!
هؤلاء تتعجّب منهم؛ من أيّ طينةٍ سِحنتهم، وأيّ العقول عقولهم، وكيف يمكن أن تتعامل مع أمثالهم ... فلا يسعك إلا العجب والاستغراب، ثمّ تولي حزينًا كئيبًا على حالهم، فإذا بمصابك في الأطفال والنساء يهون أمام مصابك في هؤلاء البلهاء ... والله المستعان.
اللهم ارحم إخواننا وأخواتنا الشهيدات في الجزائر، اللهم اغفر لهم، اللهم تقبّل منهم، اللهم انتقم ممن قتلهم، اللهم من اعتدى عليهم وقتلهم فيتّم أطفاله ورمّل زوجته، وأهلكه شرّ مهلكة، اللهم انصر إخواننا في الجزائر، واحفظهم بحفظ وأيدهم بجندك، وكن لهم معينًا ونصيرًا يا رب العالمين.
بقلم؛ أبي عبد الصمد الأسيوطي
عن مجلة صدى الجهاد، العدد السابع
جمادى الأولى/1427 هـ