فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 274

حوار بين مسجدين"الروضة"و"الرضى"

[الكاتب: عبد المنعم مصطفى حليمة]

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا حوار بين جماعتين سلفيتين، ترفعان شعار"الكتاب والسنة، والاهتداء بفهم السلف الصالح"، لكن أيادٍ غريبة عميلة مشبوهة انغمست بينهما وفرقت بين الأخوين، وزرعت في دروب التلاقي والتحاب والتآخي بينهما أشواكًا وألغامًا من الأهواء والأحقاد، والمتناقضات، والشبه .. وقد تحققت لهم أهدافهم إلى حد كبير، بحيث دب بين الأخوين المسلمين البغضاء؛ حالقة الدين، وأصبح الأخ ـ بفعل هذه الأهواء والمتناقضات المصطنعة ـ لا يطيق أن يرى أخاه أو أن يسمع منه شيئًا حتى لو كان حقًا، فحقه مرفوض ما دام قد جاء منه أو عن طريقه، بل لا يتوانى لحظة في أن ينزل في ساحته الشر والأذى من باب {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ، كما زعموا .. !!

وساحة هاتين الجماعتين ليست مسجدين في مدينة أو دولة فقط، بل هي تشمل دولًا وأمصارًا، حتى إنه لا تخلو دولة من وجود وأثر لهذين المسجدين والجماعتين .. لذا لابد من كسر الطوق، وخرق الحواجز النفسية المصطنعة، وإجراء هذا الحوار الهادف بينهما .. عسى الله أن يلم الشمل، ويوحد الصفوف، ويؤلف بين القلوب على ما يحب ويرضى، ويكون سببًا لهداية بعض القلوب .. إنه تعالى سميع قريب.

الروضة: السلام عليكم ورحمة الله ..

الرضى: وعليكم .. !

-الروضة: لماذا لا تردون التحية كاملة، ألسنا إخوانكم، ألم يأمرنا الله تعالى في كتابه العزيز بأن نرد التحية كاملة أو أحسن منها، كما قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} أم أنكم تنزلوننا منزلة كفار أهل الكتاب الذين يحرفون الكلام عن مواضعه .. ؟!

الرضى: لا، ولكنكم من أهل الأهواء والبدع، والآثار قد جاءت بوجوب الإغلاظ على أهل البدع، وهجرهم .. !

الروضة: نعيذكم من الوقوع في الزلل والظلم، فالذي يقبح ويبدع من غير دليل ولا برهان، كالذي يحسن ويزين ويحلل من غير دليل ولا برهان، حيث كلاهما يعتبران تعدٍ على حقوق الله تعالى وخصوصياته، فالله تعالى وحده الذي يحكم على الأشياء بالحسن أو التقبيح، وما هو مشروع أو غير مشروع، وما هو بدعة وما هو غير ذلك .. وقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا مدحي زين وذمي شين!! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ذلك الله"؛ أي هذا ليس من خصوصياتك ولا من خصوصيات أحد غيرك، وإنما هو من خصوصيات الله تعالى وحده، فالذي يقول الله تعالى عنه: زين وحسن فهو زين وحسن على الإطلاق، وما يقول عنه شين فهو شين وباطل على الإطلاق، ولا اعتبار لمعارضيه ومخالفيه من البشر والعبيد أيًا كانوا، ورحم الله القائل: من استحسن فقد شرع، وكذلك الذي يقبح ويبدع من تلقاء نفسه من غير دليل ولا برهان فقد شرع مالم يأذن به الله، وجعل من نفسه ندًا لله تعالى في أخص خصائصه .. ألا وهي خاصية التحسين والتقبيح، والتحليل والتحريم.

فهلا بينتم لنا بالدليل ـ من الكتاب السنة ـ أين يكمن وقوعنا في الأهواء والبدع، وما هي نوعية هذه البدع لعلنا نجتنبها أو نقلع عنها .. ؟

الرضى: أخبرنا أشياخ ثقاة عنكم أنكم من أهل البدع، وهذا يكفي لاعتزالكم واجتنابكم وتحذير الناس منكم .. !

الروضة: هل هذا يكفي لكي تحكموا علينا بالتبديع والتضليل، ألم تقرءوا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} ، فهلاّ تبينتم ثم حكمتم .. ؟!

الرضى: الحقيقة أننا لم نتبين، ولا نريد أن نتبين، فالمشايخ عندنا ثقاة لا يكذبون أمتهم، وما عهدنا عليهم الكذب .. وقد أخبرونا عنكم بأشياء لا نريد أن ندخل في نقاشها؛ لأننا نهينا عن الجدال، وبخاصة مع أهل الأهواء والبدع .. !

الروضة: ليس مطلق الجدال، فالجدال بالتي هي أحسن مرغوب شرعًا، ثم نحن ننشد منكم النصح ـ لا الجدال ـ والتواصي بالحق والصبر، كما جاء ذلك في سورة"العصر"، فهل ذكرتم لنا هذه الأشياء، حتى نتراجع عنها إن كنا مخطئين، وإن كنا غير ذلك، ظهر الحق لكم فتنزلوا عنده راضين ومستسلمين لأن الحق غاية المسلم ومراده، أينما وجده أخذ به ونزل عنده، لا يلتفت عنه إلى ما سواه ولو إلى نفسه وهواه .. !

الرضى: قيل لنا أنكم تؤمنون"بالحزبية"والإسلام نهى عن الحزبية والتفرق .. !

الروضة: ماذا تعنون بالحزبية، فإن كلمة الحزبية حمالة أوجه ومعانٍ، فهي تطلق ويراد منها معانٍ شرعية صحيحة، وأحيانًا تطلق ويراد منها معانٍ غير شرعية، فأي الوجهين تقصدون وتريدون .. ؟

الرضى: نعني مطلق الحزبية، فالحزبية كلها شر، ولا يوجد لها معنى شرعيًا صحيحًا كما ذكرتم .. !

الروضة: بدلًا من التسرع في إطلاق هذا النفي، كان ينبغي عليكم أن تسألوننا عن

الدليل الشرعي ـ الذي يحسم مادة الخلاف ـ الدال على المعنى الإيجابي للحزبية .. ؟

الرضى: تفضلوا ما هو الدليل .. ؟

الروضة: لنتفق أولًا على المعنى السيئ للحزبية لنخرجه من دائرة النقاش، ونحصر النقاش في الجوانب الإيجابية للحزبية، التي حصل الخلاف عليها، ثم ننظر بعد ذلك إن كانت هذه الجوانب من الحزبية مشروعة أم لا ..

الرضى: لا بأس إن كان ذلك يرشد النقاش، ويسهل الوصول إلى الحقائق بشكل أسرع، وإن كنا نعتقد أن مطلق الحزبية والتحزب شر وباطل، لا خير فيها .. !

الروضة: من الجوانب الباطلة للحزبية: التحزب على الباطل؛ بمعنى الاجتماع على منهاج وأفكار باطلة بدعية، أو التحزب على عقد الولاء والبراء في الحزب وأرباب الحزب، والانتصار للحزب والجماعة أو الشيخ في الحق والباطل سواء، والتقوقع على الذات من دون إعطاء الآخرين حقهم من الموالاة بحسب قربهم أو بعدهم عن الإسلام، وكذلك أخذ الحق وقبوله لكونه صادرًا عن الحزب أو الجماعة أو الشيخ، بينما لو جاء عن غير طريق الحزب أو الشيخ فهو لا يلقى نفس القبول عند الأفراد والأتباع .. فهذه المعاني للحزبية أو التحزب كلها باطلة وغير شرعية، لا يجوز تبينها أو التحلي بها، أو الدعوة إليها، وهي لا تأتي للأمة إلا بالضعف والتفرق والدمار ..

الرضى: كلام جيد، ولكن ماذا تقصدون بالتحزب للشيخ أو الانتصار له، وما علاقة ذلك بمسألتنا المطروحة للنقاش .. ؟

الروضة: نعني كما أن التحزب للحزب أو الجماعة في الحق والباطل هو باطل وغير مشروع، كذلك التحزب والتعصب للشيخ وأقواله في الحق والباطل هو باطل وغير مشروع، وصور التحزب ـ في زماننا ـ للشيخ وأقواله أوسع انتشارًا وأثرًا من صورة التحزب للأحزاب .. فالتحزب للباطل وعلى أساس الباطل، باطل مهما كانت صوره وأشكاله ..

الرضى: لا خلاف على ذلك، ولكن بقي أن تبينوا لنا الجانب الإيجابي الشرعي للحزبية كما زعمتم .. !

الروضة: نعني بالجانب الإيجابي الشرعي .. هو ضرورة اجتماع المسلمين في جماعة واحدة ـ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ـ وبطريقة منظمة، تأخذ بأسباب القوة والمنعة بعيدًا عن الفردية والارتجال والفوضى والعشوائية، ليتحركوا بقوة نحو أهدافهم العامة في مواجهة الباطل المدجج بجميع أنواع القوة المادية، ومن أجل استئناف حياة إسلامية ـ على جميع مستويات الحياة ـ وقيام خلافة راشدة على منهاج النبوة ..

الرضى: من أين أتيتم بهذه الضرورة .. ؟!

الروضة: تأتي هذه الضرورة من جهة أن الأهداف الإسلامية العامة الكبيرة المتفق عليها بين الأمة، لا يمكن التحرك نحوها ـ في خضم هذه الجاهلية المعاصرة القوية والمنظمة، والمجتمعة فيما بينها على حرب الإسلام والمسلمين ـ إلا من خلال عمل جماعي منظم يرشد الطاقات ويوحد الصفوف في مواجهة الأخطار والتحديات .. فالحديد لا يفله إلا الحديد، والقوة لا يردها ولا يقوم لها إلا القوة .. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وإلا، هل ترون بالإمكان استئناف حياة إسلامية، وقيام خلافة راشدة، وغير ذلك من الأهداف العامة المنشودة .. ثم كل مسلم في العالم يتحرك إلى تلك الأهداف بطريقة فردية أنانية وبمعزلٍ عن إخوانه، ومن دون الأخذ بالإعداد والأسباب التي تؤدي إلى النصر والتمكين .. ؟!

الرضى: نحن نؤمن بالكتاب والسنة، نريد كلامًا من الكتاب والسنة .. ؟

الروضة: الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متوافرة، وهي أكثر من أن تحصر في هذا الموضع، منها قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ} ، ومن القوة والإعداد الجماعة والتنظيم.

وكذلك قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} ، وقال: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيانٌ مرصوص} . وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"، وقال:"عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، وإذا كان الشيطان من الاثنين أبعد، فهو لا شك من الثلاثة أبعد، ومن الأربعة والخمسة أشد بعدًا، وهكذا كلما كبر عدد المجتمعين على طاعة الله كلما كانوا من الشيطان أبعد ومن الرحمة أقرب.

وقال صلى الله عليه وسلم:"الجماعة رحمة والفرقة عذاب"، وقال:"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، ولا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"."

قال ابن تيمية: فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. ا-هـ.

وقال الشوكاني: فيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى ا-هـ.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمع

وطاعة.

قال علماء نجد رحمهم الله تعالى: وقد عُلم بالضرورة من دين الإسلام أن لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة؛ وهذه الثلاثة متلازمة، لا يتم بعضها ولا يستقيم بدون بعض، وبها قوام الدين والإسلام، وبها صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، وإذا وقع الإخلال والتقصير فيها أو في بعضها حصل من الشر والفساد بحسب ما وقع من ذلك ولا بد، وهكذا حتى يعظم الفساد، ويتتابع الشر ويتفاقم الأمر، وينحل النظام، وتتخلف أمور الدين (1) ا-هـ.

فهذه أدلة الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة كلها تضافرت على ضرورة العمل الجماعي بإمارة وتنظيم.

ثم لو تأملنا أي عمل دنيوي مهما كبر أو صغر لرأينا أنه يخضع في حركته ونشاطه إلى تنظيم وتخطيط دقيقين، وإلى رئيس ومرؤوس، وأمير ومأمور، وهذا أمر ـ لحاجة البشر إليه ـ تدل عليه الفطر والعقول كما تدل عليه النصوص الشرعية، لا يكاد يخالف فيه عاقل، فعلام أنتم تشذون عما يطالب به العقل والنقل والواقع، واجتمعت على فعله جميع الشعوب والعقلاء .. وتريدون من الأمة أن تعمل لاستئناف حياة إسلامية، وقيام خلافة راشدة بطريقة فردية مبعثرة متفرقة هزيلة؛ كل فرد يكون جماعة بمفرده، رئيس ومرؤوس .. ؟!!

الرضى: قد أسهبتم وأفدتم مشكورين، ولكن نخشى أن يوصف أو يصبغ هذا العمل المشروع الذي تقدمت الإشارة إليه بالحزبية أو الحزب، وهذا ما لا نريده .. !

الروضة: لا ينبغي أن نستهجن أو نستحي من كلمة جاء ذكرها في مواضع عديدة من القرآن الكريم بصيغة المدح، كقوله تعالى: {ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} ،وقوله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} .

الرضى: ولكن أيضًا جاءت كلمة"حزب"في مواضع عديدة من القرآن الكريم بصيغة الذم، كقوله تعالى: {فتقطعوا أمرهم بينهم زُبرًا كل حزب بما لديهم فرحون} ،وقوله: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} .

الروضة: صحيح، ومما تقدم يعلم أن"الحزب"يطلق أحيانًا ويراد به الجانب الممدوح، وأحيانًا يطلق ويراد به الجانب المذموم، بحسب ما قد تم الاجتماع أو التحزب عليه، فإن كان الحزب قائمًا على طاعة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين فهو حزب محمود ومرضي، وإن كان قائمًا على معصية الله وموالاة الكافرين فهو حزب باطل ومذموم شرعًا، فمرد الذم والمدح على صفة الحزب وما قدمتم التحزب والاجتماع عليه وليس لمجرد التحزب أو الكلمة .. !

قال ابن تيمية: كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد فيوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه مطلقًا، وهذا حرام ليس لأحد أن يأمر به أحدًا، ولا يجيب عليه أحد، ومن حالف شخصًا على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان. ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عاد الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان ا-هـ.

فتأملوا كيف أن شيخ الإسلام لم يعترض على مجرد التعاقد والتواثق والتحالف بين الأستاذ وتلاميذه، وإنما كان اعتراضه على ما يتم التعقد والتواثق عليه، فإن كان مشروعًا ويرضي الله ورسوله فهو جائز ومشروع، وإن كان خلاف ذلك فهو غير مشروع ولا جائز وهو من ضروب التعاقد على الباطل والإثم والعدوان.

وهذا الذي يدل عليه مفهوم الحديث الصحيح:"ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط"؛ أي إذا كان الشرط مما جاء به الكتاب أو دلت عليه السنة فهو حق يجب الوفاء به، والعمل بمقتضاه، وما سوى ذلك فهو مردود.

الرضى: هذا يعني أن الباب مفتوح على مصراعيه لتشكيل أحزاب متعددة متنافسة في الأمة الواحدة .. ؟!

الروضة: قولنا بضرورة العمل للإسلام من خلال جماعة منظمة وإن سميت حزبًا، لا يستلزم منه فتح الباب على مصراعيه لتشكيل أحزاب متنافسة متنافرة فيما بينها تفرق كلمة الأمة وتضعف شوكتها وطاقاتها.

والذي يمكن تقريره بإيجاز فيما يخص هذا الأمر: أن أي تعدد للأحزاب الإسلامية على الساحة لا يمكن دفعه وتفاديه إلا بضرر أكبر منه، وبمفسدة أعظم من تلك المفسدة التي يراد إزالتها، فإن حصوله ووجوده ـ أي التعدد ـ يسقط الإثم والحرج إلى حين تحقق القدرة على إزالته بمفسدة أقل؛ لأن العجز باتفاق يرفع التكليف والمؤاخذة عن صاحبه، أما إن كان هذا التعدد يمكن تجاوزه وتفاديه ـ بضرر أقل ـ ثم يحصل تقصير في تحقيق ذلك، فالإثم يطال أصحاب هذه الأحزاب مجتمعة لتقصيرها فيما يمكن القيام به، وكل بحسب تقصيره؛ لأن الاجتماع ـ على طاعة الله وأمره ـ

واجب شرعي لذاته ولغيره.

الرضى: ماذا تقصدون بالواجب لذاته ولغيره .. ؟

الروضة: هو واجب لذاته لأن الله تعالى قد أمرنا بالاجتماع ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وهو كما يكره لنا التفرق والاختلاف فإنه يحب لنا الوحدة والاعتصام بحبله جميعًا.

أما كونه واجب لغيره؛ فلأن النصر والتمكين والاستخلاف وغير ذلك من معاني القوة والشوكة .. كل ذلك لا يتحقق إلا من خلال الاجتماع والاتحاد، والاعتصام بحبل الله جميعًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الرضى: هل يفهم من ذلك أن امتناع هذه الجماعات أو الأحزاب عن الاجتماع والاتحاد يفقدها مبرر وجودها، وبتالي فالواجب عليها أن تنفض وتنحل وكل يعود أدراجه إلى بيته .. ؟!

الروضة: بحسب المصالح والمفاسد المحققة من جراء ذلك، فإن كانت المصالح ترجح على المفاسد، تبقى هذه الأحزاب مع لحوق الإثم والحرج بها لتقصيرها في واجب الاجتماع والاتحاد، وإن كانت المفاسد ترجح ـ بسبب التفرق ـ فالواجب هنا أن تنحل وتنفضّ غير مأسوف عليها ..

الرضى: إلى هنا قد بان لنا كثير من جوانب الموضوع .. جزاكم الله خيرًا.

الروضة: الحمد لله، ولكن هل تسمحون لنا أن نصارحكم ببعض ما يجول في نفوسنا عليكم .. !

الرضى: بإمكانكم ذلك .. !

الروضة: مما نلاحظه فيكم أنكم تعادون مطلق العمل الجماعي المنظم باسم محاربة الحزبية، وقد بلغ غلوكم في المسألة مبلغًا جعلكم توالون عليها وتعادون فيها، وكأنها قضية إيمان وكفر، أصل من أصول الدين؛ فمن يرى العمل الجماعي المنظم فهو عندكم ليس من أهل السنة والجماعة، وله منكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى يقلع عن حزبيته، ومن لا يرى العمل الجماعي أو الحزبية فهو عندكم ـ على عجره وبجره ـ من أهل السنة، وله منكم كل الموالاة والتوددٍ والمؤاخاة!!

وإذا أردتم أن تصفوا مخالفكم بأشنع الأوصاف، تقولون عنه: هذا رجل حزبي، يدعوا إلى الحزبية .. !

أترون مثل هذا السلوك ينسجم مع الفقه والإنصاف والعدل، ومع عقيدة الولاء والبراء التي جاء بها الإسلام .. ؟!

الرضى: اللهم لا .. ولا نخفيكم أنه يوجد بيننا عناصر ـ باسم العلم ومحاربة البدع! ـ تغزي في الشباب حب الفرقة وهذا السلوك والفقه الشاذين، وتزرع فيهم الحقد واللؤم والبغضاء على إخوانهم في العقيدة والدين .. !!

الروضة: ثمة أمرٍ آخر نود مصارحتكم به، وهو أنكم عندما تربون الشباب على التمايز عن إخوانهم من أهل السنة، وعلى التعصب لأشخاص بأعيانهم دون غيرهم، وأن يأخذوا الحق منهم فقط دون سواهم، ولو جاء الحق من غيرهم أو عن غير طريقهم فهو لا ينال عندكم القبول كما لو جاء من عندهم، وكذلك فإنكم توالون من والاهم ـ ولو في الباطل ـ ولو كان من أفجر الناس، وتعادون من عاداهم أو جافاهم في الحق ولو كان من أتقى وأعلم الناس .. ؟!

ألا ترون أن هذا هو التحزب الباطل الممقوت شرعًا، والذي يجب على جميع أفراد الأمة أن تترفع عنه وتجتنبه .. أتنهون عن خلقٍ وتأتون أسوأ ما فيه؟!!

الرضى: الحقيقة هذا موجود في صفوفنا، ولا شك أنه باطل لا يجوز، ولكن كذلك لا يجوز التعميم .. !

الروضة: جزاكم الله خيرًا، نحن لا نقصد التعميم ولا نريده، وإنما أردنا الغالب والسائد بين أكثر شبابكم، وهذا مدعاةٌ لمراجعة النفس ومحاسبتها قبل أن تحاسب يوم لا ينفع مال ولا بنون ..

الرضى: صدقتم .. ولكن من المستفيد من هذه الحرب الشعواء المثارة ضد العمل الجماعي باسم محاربة الحزبية والتحزب .. ؟!

الروضة: المستفيد بالدرجة الأولى هم طواغيت الحكم والكفر وقوى الكفر العالمية، حيث لا يقلقهم ويخيفهم شيء أكثر من أن يتحرك لهذا الدين بطريقة جماعية منظمة، لأنهم يدركون أنه الأسلوب الوحيد الذي يمكن أن يحقق شيئًا نحو للأهداف الإسلامية العامة، وبالمقابل فهم يسرون جدًا عندما يرون المسلمين يتحركون للإسلام بطريقة فردية أنانية هزيلة تبعثر الطاقات ولا توحدها، لعلمهم أنها طريقة لا طائل من ورائها، ولا يمكن أن تعطي ثمارًا تُذكر، أو تشكل عليهم خطرًا يومًا من الأيام، لذلك فهم يزكون فقه التفرق والتشرذم والتنازع في صفوف الأمة، وكم يكون الخبر سارًا على قلوبهم عندما يعلمون أن الجماعة انقسمت إلى جماعتين، والدولة إلى دولتين .. وقديما ًرفعوا شعارهم المعروف"فرق تَسُد".

الرضى: وهل المشايخ يعرفون ذلك .. ؟!

الروضة: منهم من يعرف، ومنهم من لا يعرف ومنهم من يقلد من يعرف ومن لا يعرف، والذي يعرف فهو ينشط في هذا المضمار ـ باسم محاربة الحزبية ـ إما رهبة من بطش الطواغيت وإما رغبة بما في أيديهم من الفُتات والعظام المجردة عن شحومها ولحومها .. وجميع هؤلاء الذين يحاربون العمل الجماعي مطلقًا باسم محاربة الحزبية، تصب جهودهم في خدمة الطواغيت وقوى الكفر، علموا بذلك أم لم يعلموا، وسواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا .. ولا أزال أذكر قصة أولئك الشباب السلفي عندما أرادوا أن يتخلصوا من شر الطاغوت وفتنته وسجنه، قالوا: نحن من جماعة

الشيخ السلفي فلان الذي لا يؤمن بالحزبية ولا بالعمل الجماعي، وهو يرى في كفر طاغوتكم الأكبر أنه كفر أصغر، كما يقول ابن عباس: كفر دون كفر .. فخلي سبيلهم!!.

الرضى: ولكن هؤلاء الذين تصفونهم بأنهم طواغيت هم أولياء أمور المسلمين، تجب طاعتهم .. وهذه من جملة الأمور التي تؤخذ عليكم؛ وهو أنكم تنهجون نهج الخوارج الغلاة في التعامل مع ولاة الأمور .. !

-الروضة: ولاة الأمور الذين تجب طاعتهم في المعروف هم الولاة الذين يحكمون الأمة بالكتاب والسنة، ويوالون المؤمنين ويعادون الكافرين، ويجاهدون في سبيل الله تعالى أعداء الأمة، أما هؤلاء الطواغيت الذين تصفونهم بأنهم ولاة للمسلمين فقد استبدلوا شرع الله بشرائع الكفر والطغيان، وتحاكموا إليها وفرضوها على شعوبهم ـ بالحديد والنار ـ بعد أن زينوها في أعينهم من خلال مكر الليل والنهار .. ودخلوا في موالاة ونصرة الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وعادوا المؤمنين الموحدين والدعاة إلى الله منهم خاصة، وعطلوا الجهاد في سبيل الله ووصفوه بالإرهاب والعنف تنفيرًا للناس عنه، وهم إضافة إلى ذلك فقد حسنوا الفواحش والمنكرات في أعين الناس وزينوها وقننوا لها القوانين التي تحميها، وشجعوا النساء ـ أداتهم ووسيلتهم في إغواء وإغراء العباد ـ على التبرج والتمرد على أحكام الدين، وكذلك فرقوا الأمة بل القطر الواحد إلى ولاءات وأحزاب علمانية كافرة متناحرة متنافرة، لها كامل الحرية في الحركة والعمل بين العباد وفي البلاد باسم الديمقراطية كما يزعمون، ويجوز لهذه الأحزاب الكافرة ما لا يجوز للدعاة إلى الله .. ولو أردنا أن نستقصي مخازيهم وكفرهم لوجدناهم متلبسين في جميع نواقض الإيمان القولية والاعتقادية والعملية التي تخرج صاحبها من الملة .. فكيف يحسن بكم أن تصفوا حكامًا هذه أقل صفاتهم بأنهم ولاة تجب طاعتهم، والله تعالى يقول {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} ؟!

الرضى: ولكنهم يقولون: لا إله إلا الله .. ؟

الروضة: يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم بنفس الوقت يأتون صراحة بضدها ـ من النواقض ـ في آنٍ واحد، فهم مثلهم كمثل من يقولون لا إله إلا الله ثم بلسان الحال والقال يقول بإله آخر مع الله، ويعبد إلهًا أخر من دون الله عز وجل!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت