فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 274

بسم الله الرحمن الرحيم

تفريغ

كلمة صوتية

للشيخ/ حسام عبد الرؤوف (حفظه الله)

مُؤسَّسَة التَّحَايَا

قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْر

بسم الله الرحمن الرحيم [1]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد؛

فيأتي تسجيل هذه الكلمة مع ذكرى الحادي عشر من سبتمبر ولكننا لن نتوقف للحديث عنها فقد أصبحت علامة فارقة في التاريخ؛ فيُقال قبل الحادي عشر من سبتمبر وبعد الحادي عشر من سبتمبر، بما أحدثته من زلزال دمّر أمريكا ولا يزال عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وكان له آثاره العالمية التي لا تخفى على أحد.

كما يأتي وسط تطورات هامة وفاصلة في مسيرة جهادنا المعاصر وتاريخ أمتنا، حيث انسحب الأمريكان وحلف الناتو من أفغانستان، وتركوا خلفهم حكومة هزيلة لا تملك من أمرها شيئًا، وهي تكافح للبقاء على قيد الحياة. وأُعلن رسميًا عن انتقال أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد إلى رحمة ربه، وتولى أمير المؤمنين الجديد الملا أختر محمد منصور نصره الله زمام الأمور في الإمارة الإسلامية من بعده على أمل أن يفتح الله على يديه خلال ما تبقى من هذه السنة.

ودخلت اليمن في مرحلة غيبوبة لا يعلم إلا الله وحده متى تفيق منها، وصار الشعب اليمني المسلم يواجه مجاعة قاتلة لا يدري إلا الله وحده كيف سيواجهها بملايينه الخمسة والعشرين؛ وقد أصاب الشلل التام كل مقوّمات الحياة، بسبب الحرب الدائرة بين المسلمين السنة من جهة، والحوثيين الرافضة وباقيا الحكومتين العميلتين والجيش اليمني من جهة أخرى!

وأما في الشام فقد اتضحت معالم الحرب الصليبية الشيوعية الصفوية البعثية على الشعب السوري وعلى المجاهدين، سواء من أبنائه أو من الوافدين من الخارج لنصرتهم. وسط تخاذل من معظم شعوب العالم الإسلامي وعمالة من البعض الآخر. وأزمة إنسانية متكررة في زماننا بالنسبة لشعوب المسلمين حيث اضطر أكثر من أربعة ملايين من أهل سوريا لمغادرتها، وتشرّدوا في الأرض غير مرحب بهم؛ تحاول دول الجوار بكل ما أوتيت من قوّة التخلص منهم، ومنع المزيد منهم من اللجوء إليها، ناهيك عن المواطنين الذين لم يهاجروا وهم قرابة الخمسة عشر مليونًا يعانون من أحوال معيشية خانقة، خاصة المناطق التي خرجت على الحكومة البعثية المجرمة، أو وقعت تحت سيطرة المجاهدين!

ولذا تم نقل القاعدة إلى هاتين الدولتين والإخلاء شبه التام لساحة وزيرستان وباكستان؛ لأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعبين المسلمين السنيين؛ ولأنهما ساحة المواجهة القادمة مع ألد عدوين للإسلام والمسلمين، الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل في فلسطين والشام، وإيران الشيعية الرافضية في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج.

ورغم الوحشية التي يعتدي بها العدو الصليبي الأمريكي الحاقد على المجاهدين واستخدامه لكل الأسلحة المتطورة، خاصة الطائرة الجاسوسية بدون طيارة، فيوقع خسائر كبيرة في صفوف المجاهدين، في أفغانستان ووزيرستان وسوريا والعراق والصومال واليمن، مما أدى إلى استشهاد بعض الإخوة القادة والكوادر في كل أفرع الجماعة تقريبًا؛ من بينهم أعمدة الإعلام في السحاب أمثال الأستاذ أحمد فاروق والأخ عزام الأمريكي والبلبل الذي كان شاديًا الأخ عمر طالب وغيرهم من الجنود المجهولين للناس، رحمهم الله جميعًا، إلا أننا لا نأسى لذلك فقد رُفع هؤلاء الإخوة إلى مرتبة الشهادة التي جاؤوا من أجلها وسعوا حثيثًا في طلبها؛ بل نستبشر بهذه الضراوة في القصف بالطائرات فإنها لا تحقق نصرًا من ناحية، وهي دليل على الانهزام وقرب اندحار العدو من ناحية أخرى، مثل الحيوان المذبوح الذي يضرب بكل قوة عندما يحس بدنو أجله وهو يلفظ آخر أنفاسه، وفي هذا يقول قادتنا الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله، والشيخان جمال إبراهيم المصراتي (عطية الله) وحسن قائد (أبو يحي الليبي) رحمهما الله:

المحاور: لكنهم قتلوا الشيخ أسامة -رحمه الله- والعديد من قيادات المجاهدين، فكيف تقولون إنهم لم يحققوا أهدافهم؟

الشيخ أيمن الظواهري: أسامة بن لادن قدّم نفسه فداءً لدينه من عشرينيات عمره فنال أعلى رتبةٍ جهادية؛ رتبة الشهادة في سبيل الله، وكل من سلك طريق الجهاد يتوقع الشهادة بل ويتمناها، وقتلُ أسامة بن لادن يجعله رمزًا يحث الأمة ويحفزها على المزيد من العطاء. والطائرات التي تقصف من الجو لا تحقق النصر على الأرض، فالنصر لا تحققه إلا القوات التي تسيطر على الأرض، وأمريكا أبعد ما تكون عن هذا، والقتل مؤلم نفسيًّا لفراق الأحبة ولكنه لا يهزم الأمم المجاهدة، والأمريكان أسرفوا في القتل في فيتنام والصومال والعراق وأفغانستان وانهزموا في كل هذه الأماكن.

المحاور: عمليات قصف الطائرات بدون طيار مستمرة وامتدت للصومال واليمن وعادت مرة أخرى للعراق وربما تمتد للشام، ألا ترون أنّ هذا الأسلوب في مواجهة المجاهدين مستمر وفعّال؟

الشيخ أيمن الظواهري: قصف الطائرات بدون طيار سيستمر وسيزداد كما أتوقع، أما أنه فعّال فقطعًا لا، أمريكا تقصف في أفغانستان وباكستان وتنهزم، وقصفت في العراق وانهزمت، وقصفت في فيتنام ودمرتها بالكامل وانهزمت، ولو لم تقصف أمريكا بالطائرات الجاسوسية لقصفت بالقاذفات الثقيلة، وفي حروب التحرير يكون المحتل المنسحب أقسى ما يكون وهو ينهزم وينسحب، ونحن قد خبرنا هذا المحتل المجرم لمدة ثلاثة عشر عامًا، ودفع المجاهدون ثمن النصر من أرواحهم وأرواح أهلهم وصبر أسراهم، واليوم يتحقق لهم النصر بفضل الله رغم كل القصف الذي لا يدفع الهزيمة عن الأمريكان. ثم كيف تكون تلك الطائرات فعّالة مع أنّ أوباما يعترف أنّ القاعدة تتمدد وتنتشر.

المحاور: وراء استراتيجية القصف بالطائرات بدون طيار عملية التجسس وتجنيد الجواسيس، كيف تتعاملون مع هذه الحرب القذرة؟

الشيخ أيمن الظواهري: هي فعلًا حربٌ قذرة، ونحن نستعين بالله ونواجهها على عدة مستويات منها الأمني ومنها الدعوي ومنها القضائي، والمولى سبحانه وتعالى يقول: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) ونُصيب منهم ويُصيبون منا، ومَن ينسى ما فعله بهم البطل أبو دجانة الخراساني رحمه الله. [اللقاء السابع مع السحاب]

الشيخ عطية الله الليبي: ولا يغرَّنَّكم تقلب الأعداء في البلاد، وما وصلوا إليه من أدوات ووسائل الدمار والخراب، وما يرتكبون من فظائع وبشاعات، ولا يوهننَّ من عزائمنا كثرة ما وقع ويقع من القتل في صفوف المسلمين من المجاهدين وغيرهم فإنها شهادة والشهادة خيرٌ وبركة, وكلما تمرَّد أعداء الله وطغوا وتفرعنوا وعتوا فإنَّ ذلك مؤذنٌ بقرب هلاكهم وإدالة الله عباده المؤمنين عليهم؛ فإن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم, فيتمحَّص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكم.

إنَّ دم الشيخ أسامة -رحمه الله- ودماء الشهداء الصالحين في أنحاء الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا -رحمهم الله جميعًا وتقبلهم- لهي سقيا لشجرة الجهاد وفألٌ بقرب النصر بإذن الله عز وجل، والله سبحانه يبارك عليها ويرى الناس بعد حينٍ آثار بركة الله ورحماته.

أيها الإخوة, كيف يمكن أن ينتصر أعداء الله الكفرة الملحدون الفجرة الفسقة أهل الرجس والنجاسة والقذارة ورذائل الأخلاق، أهل البخل والحسد والكبر والشرك وسائر ما يُتصور من أمراض القلوب ومفاسد النفوس، كيف يمكن أن ينتصروا على أهل التوحيد لله عز وجل، أهل الإخلاص والنية الحسنة وإرادة الخير الساعين في محاب الله والطالبين رضوانه، أهل الوضوء والطهارة والعفة والتقوى وصلة الأرحام، أهل العبادة لله جل وعلا والانكسار إليه والتوبة والإنابة والشكر والصبر والخوف والرجاء والمحبة والطاعة باطنًا وظاهرًا, هذا لا يكون بإذن الله.

كيف يمكن أن ينتصر من يريدون العلو في الأرض والفساد، ويبغون رفع راية الكفر والصليب والأوثان، وينشرون الرذيلة والفجور ويعبِّدون الناس للشهوات والدنيا والشيطان ويخرجونهم من النور إلى الظلمات, كيف يمكن أن ينتصروا على الذين قال الله فيهم {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [بشائر النصر في شهر الصبر]

الشيخ أبو يحيى الليبي: فإذن قلنا إنَّ أمريكا الآن تريد أن تستخدم نوعًا جديدًا من الحروب وهي حرب الوكلاء، تأمر الجيش الباكستاني ليقاتل المجاهدين من إخواننا في (تحريك طالبان) وغيرهم في باكستان، تأمر الجيش اليمني ليقاتل إخواننا في أنصار الشريعة في اليمن، تأمر الجيش الكيني ليقاتل إخواننا من الشباب المجاهدين في الصومال .. وهكذا، ولكن النتيجة واحدة، فإذا كانت أمريكا قد دخلت بجيوشها ورجالها فمُزِّقت أجسادهم، فإنَّ نفقاتها على هذه الجيوش التي لا تشبع ستُنهِك اقتصادها -وهو مُنهك-. [خطبة عيد الأضحى لعام 1432 هـ]

ولقد انقسم العلماء ومن ينسبون للعلم في الفتنة المهلكة التي تحيط بالأمة حاليًا إلى أقسامٍ، منها أربعةٌ رئيسيةٌ هي: قسم عرفوا الحق وفقهوا طبيعة المعركة وأطرافها وأبعادها، فسلكوا الطريق القويم وجهروا بكلمة الحق، وهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ممن ينتسبون للعلم والعلماء. والبعض منهم تحرك ليقود المجاهدين المخلصين بنفسه لمقاومة الحملة الصليبية الشرسة الحالية سواء من على المنابر أو عبر وسائل الإعلام أو من خنادق القتال وميادين النزال، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من يقبع خلف أسوار السجون. ونذكر منهم على سبيل المثال: الشيخ وليد السِّناني فرج الله عنه وعن جميع المشايخ وطلاب العلم والمجاهدين، المأسورين في سجون طواغيت العرب والمسلمين.

وقسم عرفوا الحق ولكنهم آثروا السلامة وضنوا عن أنفسهم أن يدفعوا ضريبة العلم، والوفاء بالميثاق الذي أخذه الله عليهم بأن يبيّنوه للناس ولا يكتمونه، وهم السواد الأعظم والغالبية منهم يتخذون الدعوة والبلاغ والإمامة كوظيفة للاسترزاق، والأمة الإسلامية ومصائبها في واد وهم في واد آخر ويدرِّسون أبواب الجهاد من كتب الفقه والتفسير والسيرة وكأنها شيء من الماضي، ولم يعد لها محل في عالمنا المعاصر. ويعللون أنفسهم بالقعود عن الجهاد بالنفس بحاجتها للمجاهدة، وهي جهاد أكبر من قتال الكفار والمشركين والمرتدين؛ مستدلين بالحديث الرائج بين طلبة العلم وعامة الناس (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) ، والذي قال عنه الشيخ الألباني -رحمه الله- إنه (منكر) ، وذكر أنه ورد بلفظ:"قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ مجاهدة العبد هواه"وسنده ضعيف. وقد استنكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوي تسميته بالجهاد الأصغر لأن جهاد الكفار من أعظم الأعمال؛ بل هو أعظم ما تطوّع له الإنسان"اهـ كلامه رحمه الله."

وقسم أعمى الله بصيرتهم على علم منهم اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فضلوا وأضلوا، يستخدمهم الشيطان كأقوى أسلحته، ليسوّغ لكل مارق وكافر وزنديق أن يعبث بآيات الله ويستهزئ بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام -رضي الله عنهم-، ويشرع دساتير ما أنزل الله بها من سلطان لسياسة الناس. وهؤلاء ما اكتفوا بجريمة النأي بأنفسهم عن الجهاد في سبيل الله الفريضة العينية عليهم، حتى أضافوا لها جريمة نهي عامة المسلمين عنه بكل الطرق والوسائل. والحكومات العميلة إما هي التي صنعتهم ونفختهم بأفخم الألقاب، وإما تعرف فيهم نقطة ضعف نفوسهم والخور في قلوبهم، فتغرق المبرزين منهم في الشهوات والترف، ليستمرئوا الضلال الذي هم فيه، ويحاولون إضلال عامة الناس ويرضونهم لحسابها! وهؤلاء لا يفكرون في الخروج على أولياء نعمتهم بعد أن أصبحوا لا يستغنون عن متاع الدنيا وزخرفتها.

ولقد أثبتت الشعوب المسلمة أنها ليست غبية ولا بلهاء، ويكفي الهتافات التي نددت بعمالة وخيانة مفتي مصر السابق علي جمعة لدماء الشهداء وثورة الشعب المصري ومطالبته للسيسي بأن يضرب في المليان ويقتل شباب الانتفاضة والمعارضين، وقيام الشيخ علي رضا من تركيا بالتنديد به هو وعلماء الأزهر، ممن يدعمون حكومة الانقلاب.

كما يفضح كهنة السلطان الدجّالين في السعودية الذين يخادعون الناس ويصفون ملكهم بأنه الملك الصالح والإمام العادل، يفضحهم صرخات الأمهات اللاتي اختُطفت بناتهن الطاهرات العفيفات ليودعن في المعتقلات، والأخوات الأسيرات بأيدي قوات الفزع وفي السجون في كافة أرجاء مملكة آل سعود.

وأشد ما لفت انتباهي ذلك المفسد الكبير إمام الحرم وهو يصلي بالناس في شهر رمضان الماضي صلاة التراويح، حيث قنت على من سمّاهم"سفهاء الأحلام"ويقصد بهم المجاهدين جميعًا، دون تخصيص قطيع منهم بعينه، أضعاف أضعاف ما قنت على من سماهم أعداء الدين، الذين يسومون المسلمين سوء العذاب، ويتفننون في قتلهم وتعذيبهم والاعتداء النفس والجنسي عليهم! ألا شاهت الوجوه.

وقسم يخبطون خبط عشواء من أنصاف العلماء على أقصى تقدير، وقد حوّلتهم وسائل الإعلام إلى نجوم البرامج الحوارية في التلفاز على أساس أنهم منفتحون ومعتدلون ويمثلون الإسلام السمح الوسط، وتفتح لهم مواقع الإنترنت والتويتر والفيس بوك الأبواب على مصراعيها، لينفثوا سمومهم ويشككوا المسلمين في كل ما هو حسن. ويصدرون للمستفتين من الفتاوي ما يروقهم ويروق الأنظمة الحاكمة، وهؤلاء يطربهم المديح والألقاب الرنانة، والظهور في وسائل الإعلام والمجتمعات؛ حتى وإن كان ذلك على حساب دينهم ودماء ضحايا الحكومات العميلة التي يدافعون عنها. ويدفعهم حب الظهور إلى المشاركة في حملة التشويه لعباد الله الصالحين، ومن العلماء والمجاهدين والجماعات الإسلامية التي تسعى لإقامة شرع الله، والاستهزاء بهم وإظهار الشماتة فيما يصيبهم من مآسي ونكبات، ليظهروا للناس أنهم كانوا على صدق وفطنة ودراية بخفايا الأمور.

فهذا على مستوى العلماء ومن ينسبون للعلم.

وأما على مستوى عامة المسلمين، فإنه رغم عدم بقاء شيء من دينهم لم تدنسه الصليبية واليهودية والإلحادية والبوذية، حتى أقدس مقدسات المسلمين من كتاب الله، وشخص رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-، والمساجد وغيرها لم تسلم من التدنيس المتعمد الممنهج؛ فإنهم لا ينتفضون للدفاع عن تلك المقدسات وإيقاف الاعتداءات عليها؛ بل ولا حتى للدفاع عن حرمات الله التي تُنتهك في بلدانهم ولا عن حرماتهم وحياتهم وأموالهم وثرواتهم المستباحة! وإن انتفضوا فلساعات أو لأيام عديدات ثم يعودون للسكون والعودة لدوامة الحياة الدنيا في انتظار المصيبة القادمة.

ولذا فإن على الشعوب السلمة الغيورة على دينها ومقدساتها وثرواتها وحاضر سكانها ومستقبل أجيالها أن تنتفض انتفاضة لا تهدأ ولا تسكن، حتى تزيح هذه الأنظمة الخائنة العميلة بأجهزتها ومؤسساتها، وتستبدلها بحكومات مسلمة عادلة أمينة. وليعلموا أن الفرار من المواجهة الحتمية والاكتفاء بالمظاهرات السلمية أو الطرق السلبية لمواجهة هذه الأنظمة المتسرطنة لن ينصرهم ويحقق لهم مطالبهم. ونقول للشعوب المسلمة لقد شاهدتم كيف استطاعت الجماهير الثائرة في بعض الدول العربية بعدد محدود من القتلى والجرحى سقطوا خلال الانتفاضات الشعبية، استطاعت إزاحة أربعة من أعتى الطواغيت الذين عمروا طويلًا في الحكم.

فالمطلوب مقاومة النظام والعدوان والتبعية للغرب الصليبي وتعبيد الناس لغير الله، بأي وسيلة متاحة، وعدم حصرها في المقاومة لمسلحة لمن لم يستطع حمل السلاح أو عُدِمَه.

وأما بالنسبة لإخواننا المجاهدين في كافة التنظيمات والجماعات المجاهدة فنقول لهم لا تفترضوا أنكم وحدكم الموحّدون المهتدون الساعون لإقامة الشريعة، ونصر المستضعفين والدفاع عن الدين. ولا تزكوا أنفسكم فإن الله أعلم بمن اتقى. ولا تبطلوا أعمالكم بالمن والأذى. وتذكروا أن الصحابة وهم خير خلق الله بعد الأنبياء كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق والرياء، فأنتم لستم خيرًا من سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي كان يخشى أن يكون قد ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين المنافقين، وأن هناك أكثر من خمسمائة آية في القرآن تتحدث عن المنافقين، فاعرضوا أنفسكم وأعمالكم عليها!

وتذكروا القاعدة الشرعية المتفق عليها؛ أنه إذا تعارضت مفسدة ومصلحة فدفع المفسدة مقدم في الغالب، لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، لما يترتب على ارتكاب المنهيات من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي، ويدل لهذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". فالمطلوب طاعة الله في كل الأمور قدر الوسع والاستطاعة، واجتناب المعاصي بكل أشكالها وصورها لأنها مؤذنة بنزول العقوبة من الله -عزَّ وجلَّ-، والهزيمة في القتال، وتسلط العدو علينا، لقوله -سبحانه وتعالى-: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:

(1) لم نفرغ الفواصل التي بين الكلام إلا التي أشار إليها الشيخ حسام عبد الرؤوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت