إن التصدي بقوة وحزم لشبهات أصحاب هذا التيار، وكشفها وبيان زيفها وتهافتها وتفاهتها بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة التي تدل على سوء معتقدهم وبعدهم عن الحق ومجانبتهم لنور الهدى الذي لا يخفى على من يطلبه، وتوضيح خطر منهجهم على الإسلام والمسلمين، ومناقشة أقوالهم بعمق واستقصاء وتفصيل قوي، والتحذير منهم ومن بدعهم وكتبهم، لَهو واجب اليوم على كل من آتاه الله قسطا من العلم، وهداه إلى الصراط المستقيم القويم البعيد عن الأهواء ومضلات الآراء، لأن الأمر لم يعد مسألة اجتهادية جزئية يتسع لها الخلاف ويقبل فيها تباين وجهات النظر، فالنزاع فيها ليس كالنزاع في غيرها من المسائل، بل الأمر _ والحق يقال _ صار لبنة توضع كحجر أساس لفرقة مبتدعة ستكون لها أصولها وقواعدها ومعتقداتها التي بدأت تتبلور وتتشكل شيئا فشيئا، ولا يخفى على أحد أن كتبها ومجلاتها ورسائلها غدت تغزو المكتبة الإسلامية وتنتشر بين أيدي الشباب ويتلقفها طائفة منهم بشغف ولهف، مع ما فيها من الانحرافات والمخالفات الواضحات البينات، وأن داءها العضال قد أصاب شريحة واسعة من شباب الصحوة الإسلامية، وأحدثت شرخا كبيرا وجرحا مؤلما في جسدها، وانظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب (إحكام التقرير لأحكام التكفير) تأليف مراد شكري وتقديم علي حسن عبد الحميد، وكتاب (مجتمعنا المعاصر بين التكفير الجائر والإيمان الحائر) لمحمد بن إبراهيم شقرة، وكتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لكاتبه خالد العنبري، وكتاب (ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه) لأحمد بن صالح الزهراني، وغيرها من الكتب التي اشتهرت في هذا المجال، ورفعت لواء نشر هذه البدعة الشنيعة، وبعثها من جدثها بعد البلى، حيث تقرر بوضوح مذهب المرجئة الذين يحصرون الكفر في كفر التكذيب فقط، ويخرجون الأعمال من مسمى الإيمان، وحشروا وحشدوا الأدلة التي لم يرها الأولون ولا توقعها الآخِرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
تنبيه هام
ولكن ثمة أمر نريد أن نشير إليه وننبه عليه هنا، وهو أن مسلك التنقيب عن الأدلة من السنة، والتعسف في لي أعناق النصوص، والتكلف في إخضاعها لتوافق معتقد القوم ومذهبهم، والتمسح ببعض نقولات العلماء من الأئمة المتقدمين وغيرهم، إنما ألجأهم إليه الصيحات العالية الداعية للرجوع إلى مذهب السلف، واستهجان الشباب الاشتغال بعلم الكلام، والنفور من تعقيداتهم وحدودهم، فلم يجد القوم بدًا من أن يلبسوا دعواها الباطلة ثوب الاقتداء بالسلف، وأن يدللوا على صدق تلك الدعاوى ببعض الأحاديث والآثار ونقولات العلماء ليمعنوا في التضليل ويوغلوا في التعمية، وليموهوا بها على ضعاف العقول، حتى ولو أدى ذلك إلى بتر النصوص والافتراء المفضوح والتقول المكشوف على بعض العلماء، وأخذ الأدلة التي توافق الهوى وتنسجم مع المعتقد، وعدم العناية بالجمع بينها وبين ما يقابلها مما يرد عليها، واتباع متشابهها وترك أو تأويل محكمها كما هو حال أهل البدع في كل زمان، بل والاستدلال ببعض كلام الزنادقة كأبي حيان التوحيدي وبعض علماء الكلام الذين رفعوا لواءه، ونشروا رداءه، فإذا لم يوقف تيار هذه الزمرة الهائج عند حده من جانب العلماء وطلبة العلم، وإن لم توجد وقفة صادقة حيالهم، فإن الأجيال ستدفع ضريبة باهظة نتيجة هذا التساهل، وغض الطرف عن المخاطر المشاهدة والمتوقعة من هذه البدعة الشنيعة بأي دعوى من الدعاوى لهو مساهمة بطريقة أو بأخرى في دعم وجودها وتمديد عمرها، ونشير هنا إلى أن اللجنة الدائمة للإفتاء بالجزيرة قد أصدرت فتاوى بخصوص عدة كتب من التي ذكرناها آنفا، كان آخرها فتوى بتاريخ 24/ 10/1420هـ تضمنت التحذير من كتاب خالد العنبري، وبينت هذه الفتاوى أن حقيقة تلك الكتب هي الدعوة إلى الرجوع لمذهب المرجئة في الإيمان القاضي بإخراج الأعمال من مسماه، ومن ثم أفتوا بأنه لا يجوز طبعها ولا بيعها ولا نشرها ولا ترويجها، ومع كل ذلك فإننا ننبه إلى أن الأمر أكبر بكثير من أن تكفي فيه ورقة أو فتوى، فالقضية لم تعد مجرد كتاب يؤلف، أو مقال يكتب، أو خطبة تلقى، ولكنها عقائد ترسخ وأفكار تغرس في قلوب وعقول الشباب فتتشربها أفئدتهم على أنها مذهب السلف الصالح الذي ينبغي الثبات عليه، والدعوة إليه والمنافحة عنه وإن خالف في ذلك من خالف، لذلك فالمسألة بحاجة إلى دراسة أدق وأعمق تدرس فيه جزئياتها وتفاصيلها دراسة وافية لتعالج من أصلها وعدم الاكتفاء بمعالجة ظواهرها، وإذا كانت بدع أهل الكلام والتصوف وغيرها نشأت وتطورت وترعرعت وشقت طريقها عبر التاريخ مع تصدي أكابر العلماء وجهابذتهم - ممن لهم قدم صدق في الأمة - لها بقوة، ووقوفهم في وجه أهلها هجرا ونبذا وتحذيرا، فكيف ستكون عاقبة البدع _ كهذه البدعة _ التي تنشأ في زمان اضمحل فيه العلم، وقل العلماء، وباض الجهل وفرخ بين العامة والدهماء، ونطق الرويبضة، وتفيقه التافهون السفهاء، لا سيما مثل هذه البدعة النكراء التي يدعمها طواغيت الحكم بكل ما أوتوا من قوة، ويثنون على أصحابها ظاهرا وباطنا، ويقفون بجانبهم قلبا وقالبا، بل وينصحون الشباب المجاهد الذي يقع في أيديهم أن يقْفو أثرهم ويتبنى نهجهم، وذلك لعلمهم أنهم وبدعتهم خير من يضمن لهم الاستمرار في الحكم والاستقرار على كرسيه أطول زمن ممكن، مع الأمن من ثوران الناس عليهم وضمان تمرير مخططاتهم ومكائدهم بسهولة ويسر، وإعطائهم الشرعية في كل ما يرتكبونه ضد معارضيهم الموصوفين على ألسنة أصحاب ذلك التيار بأنهم (خوارج وتكفيريون وشاقون لعصا الطاعة.
إن القضية _ وكما يظهر _ لم تعد خلافا بين جماعة وأخرى في تحديد وسيلة تغيير الأنظمة الحاكمة، إذًا لكان الخطب يسيرًا إذا ما قورن بالخطر الناجم عن هذه الداهية الدهياء، إنها إحياء لمذاهب أهل الضلال، وتقوية لمسالك أهل الابتداع، وتغذية لشجرتهم بعد أن كادت تذبل، وتشييد لصروحهم بعد أن قضى خيار العلماء القرون الطوال وهم يهدونها بحراب الحق هدا، ويدكونها بشهب الهدى دكا، وصدق الله إذ يقول: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} فهي في الحقيقية بذرة خبيثة يتم زرعها وسط الأمة لتفسد عليها دينها بقصد أو بغير قصد، فهلا أدركنا خطرها قبل أن يفوت الأوان.
{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}
[عن مجلة الفجر]