بسم الله الرحمن الرحيم
مما لا مراء فيه أن الإرجاء عقيدة فاسدة، ولعظم فسادها؛ انبرى للرد عليها السلف رحمهم الله، فأبطلوا حججها وكشفوا زيفها وعوارها والحمد لله.
ولكن الإرجاء، كعقيدة ولها تداعيتها؛ لم تتأصل إلا في عهد متأخر عن السلف، ولا شك أن بوادرها قد ظهرت في أيام السلف؛ مما دفعهم للتصدي لهذه الظاهرة الغثائية، أما الذين تبنوا هذه الفكرة وكانت تلوك بها ألسنتهم؛ فلم تتعد هذه الظاهرة فيهم إلى ميدان الواقع.
فأبو حنيفة رحمه الله - مثلًا - قد تبنى نوعًا من أنواع الإرجاء، ولكنه لم يؤصله ولم ينزله في الواقع المعاش، فإنه رحمه الله كان محط أنظار جمع غفير من الأمة، نعم اختلفت نظرة بعض العلماء فيه وتباينت وجهات نظرهم، فكتاب"السنة للإمام"عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله؛ خير دليل على هذه المواقف المتباينة، بينما تقاطر الثناء العاطر عليه من خيرة العلماء.
ما أريد قوله هو؛ أن محاكمة الإرجاء شيء يستحق البذل، وأما جعل علماء الطاغوت وأحبار السوء وبلاعمة العصر في صف واحد مع المرجئة القدامى؛ فإنه ضيم نأباه.
الإرجاء - كما سبق - عقيدة فاسدة، وإن تنوعت أشكالها وتباينت أحجامها، ومما يبين فساد هذه العقيدة؛ أن أخف أنواعها قد تبناها أناس سموا بـ"مرجئة الفقهاء"، وقالوا في تعريف الإيمان: (إنه تصديق بالقلب ونطق باللسان والأعمال من ثمرات الإيمان) ، وهذا التعريف من أخف التعريفات سوءًا عند المرجئة، ومع ذلك ثار السلف على أصحابه وبدّعوهم، لأنهم أدركوا بثاقب نظرتهم؛ أن لهذه العقيدة تداعيات جسامًا تفت في عضد الأمة وتعيق سيرها نحو المعالي.
وقد تأصل هذا الفكر الغثائي في ما بعد، وتبناها أهل الكلام من الماتريدية والأشعرية، وصاغوه في قوالب منطقية، بل غلا بعضهم وتبنى عقيدة الجهم بن صفوان.
أما ما يجب قوله؛ إن صلة بعض العلماء بعقيدة الماتريدية والأشعرية - رغم دراستهم لها وتشربهم بها في المدارس في مختلف المراحل الدراسية - صلة نظرية، لا تمت إلى الواقع بصلة متينة، نعم هناك طائفة درست هذه العقيدة وتبنتها بقضها وقضيضها، أما في الواقع المعاش لم يتبن الفكر الإرجائي الغثائي؛ إلا طائفة لم تنبعث إلا من خلال محاولة إضفاء الشرعية على أنظمة طاغوتية في البلاد، فأصبحت منبوذة واللعنات تلاحقه.
هذا الصنف من المنبوذين، الذين باعوا الذمم بحطام من الدنيا زائل، يتواجد في أي قطر إسلامي وبخلفيات مختلفة، منهم من له صلة نظرية بعقيدة السلف، ومنهم من له صلة نظرية بعقيدة أهل الكلام بشتى صنوفه، أما الوجه المشترك بين هاتين الطائفتين المتناقضتين في تعريف الإيمان النظري؛ فهو محاولات يائسة ومساعي حثيثة مبتذلة في سبيل إرضاء الطاغوت.
فمن الخطأ الفاحش؛ أن نطلق على علماء السوء ورهبان الباطل وأحبار الفساد أنهم من المرجئة، أو فلان منهم؛ رأس الإرجاء، أو أنه سلفي في جزء من العقيدة وجهمي في جزء آخر ... إلى آخر مثل هذه الإطلاقات التي تذهب بالقاريء إلى الوراء، فتذكره برؤوس الإرجاء في زمن السلف، خاصة الذين سموا بـ"مرجئة الفقهاء".
فأقول: إن هؤلاء الذين يدافعون باسم السلفية من الحكام المرتدين في الوطن الإسلامي الكبير، هؤلاء من جنود الطواغيت المحضرين، لا يمتون إلى السلفية بصلة، بل لا مجال للمقارنة بينهم وبين رؤوس الإرجاء الأوائل، فالسلفية ليست ثوبًا مزركشًا ومزخرفًا، إنما هي عقيدة ودعوة وجهاد.
فأيهما سلفي - بالله عليك - أمير المؤمنين الملا محمد عمر الذي ضحى بدولته في سبيل الإسلام، وهو لم يزل مقاتلًا صامدًا في خنادق القتال، ولم يدرس إلا"العقيدة النسفية"؟
أو مفتي آل سلول الذي درس العقيدة السلفية من مظانها، وهو ينتمي إلى شجرة مباركة من العلماء الأجلاء، على رأسهم الإمام المجاهد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ومع ذلك يدافع عن نظام آل سلول ويتعامى عن كفره وارتداده؟
فتبين أن صلة الملا محمد عمر بالإرجاء؛ صلة نظرية، وأما في أرض الواقع فهو ينتمي إلى مدرسة ابن تيمية الإمام المجاهد، بل وقد رحب بأتباع الإمام محمد بن عبدالوهاب الحقيقيين في أرض العز والشموخ؛ أفغانستان المسلمة.
أما ذاك المفتي؛ فهو ينتمي إلى مدرسة بلعم بن باعوراء، وأجداده منه براء.
فالشيخ سليمان رحمه الله ألف رسالة وأسماها"موالات أهل الإشراك"، فبيّن فيها وبالأدلة الشرعية أن كل من وقف في الصف المعادي لدولة التوحيد في"الدرعية"وآزر أعدائها وظاهرهم بأي نوع من الأنواع؛ هو كافر مثلهم.
فأين سليمان آل الشيخ رحمه الله من عبدالعزيز آل الشيخ مفتي آل سلول وجنده من علماء البلاط السلولي؟
لقد آن الآوان لكشف بلاعمة العصر، إي والله، الذين خذلوا الأمة في أشد لحظاتها وأحرج أزماتها وأزالوا الأقنعة عن وجوههم الحقيقية، التي طالما زخرفوها بزخارف من تزكية فلان أو مجالسة علان أو كتابة رسائل ظاهرها فيها الرحمة وباطنها فيها النيران.
بقلم؛ أبي مصعب الأفغاني
18/ 4/1427 هـ