فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 274

[الكاتب: محمد المليفي]

انتظرت طويلًا لأقرأ ردة الفعل عند من يزعمون أنهم حماة السلفية، عندما قام أحد التراثيين (من جمعية إحياء التراث الإسلامي) بالكويت، بالتهريج على صفحات الجرائد منافسًا بذلك المهرجين الذين جاءوا يردحون لنا في مهرجانات هلا فبراير!

انتظرت طويلا .. فلم أجد الا الصمت البليد الذي كشف للجميع كيف بلغ الحال بمن يزعمون انهم يتبعون النبي حق الاتباع .. وانهم يوحدون الله في أسمائه وصفاته حق التوحيد .. ألخ ذلك التنظير الذي ليس له على أرض الواقع سوى الانبطاح والمجون الفكري وفنون التعري باسم السلفية المزعومة!

وهذه مانشيتات عريضة أنقلها لكم من حديثه لتروا بأنفسكم بعضًا من نماذج التعري:

· يقول الناطق الرسمي باسم التجمع السلفي الشعبي: (أعطوني مثالًا واحدًا على إضرار أمريكا بالعالم الإسلامي؟!) .

· ومانشيات آخر يقول فيه: (إعلان الولايات المتحدة بأن الكويت حليفًا استراتيجيًا هو أكبر رد على من يشككون في مصداقية أمريكا ونزاهتها!) .

وتهريج آخر سنستعرضه في ثنايا المقال. . .

الرد:

تحدث المفكر مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة عن احد مركبات النقص التي أصابت الحركة الاصلاحية بالجزائر آنذاك, وهو أن علماء الحركة ودعاتها نزلوا إلى أوحال السياسة والمعارك الانتخابية والتي كان يسميها بمعارك الأوثان! فوقعوا بالوحل حتى تلطخت ثيابهم البيضاء وصار هدفهم الاصلاحي ملطخًا بالأوحال وساقطًا لا قيمة له!

نحن الآن أمام نموذج جديد من أشكال السقوط لبعض فئات الحركة الاسلامية, بيدأن هذا السقوط المريع يتميز عن سابقيه بأنه أكثر انحدارًا وانصبابًا إلى القاع الذي يقبع في أسفله مستنقع آسن! والسبب لأن أخطاء الحركات الاسلامية السابقة، لا ترقى ولا تصل الى ما وصلت اليه الآن, لأن ما يحدث الآن على يدها هو انسلاخ بالكامل، وتمزيق للهوية، وبيعُ مبادئ وتزييف ثوابت شرعية، وتمييع دين!

والحق أقول لكم بأن الخطر الذي نشأ في جسد الأمة من هذه الحركات وسريانه بالمسلمين ربما ينافس خطر الكفار على الاسلام الحقيقي والمجاهدين الذين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله, لأن شر تلك الملل والطوائف واضح للعيان ويمكن مواجهته لأنه مكشوف خطره، ظاهرة سوءته، بيد ان مثل تلك الحركات التي تلبس زي الاسلام وتتقمص قميصه، وهي في الوقت نفسه تفرّغ الاسلام من محتواه الحقيقي وتصرف الشعوب عن الهدف الأول والحقيقي للاسلام وهو ان {يَكُونَ الِّدينُ كُلُّه للَّه} وبذلك تكون هذه الحركات قد نجحت بما عجز عنه الكفار وخدمتهم ايما خدمة فلقد استطاعوا وبحنكة شرعية وبمنهج الاتباع (المزعوم!) ان يخلقوا للمسلمين نموذجًا فريدًا للاسلام الاميركي السلفي! ذلك الاسلام الذي يحصر اسماء الله وصفاته في الاثبات اللغوي، ولكنه يلغيها من قاموس التحاكم! .. ذلك المنهج الذي يفرّغ حتى المساجد من دورها الحقيقي الذي يخرج ويعد كتائب الحق {الَّذِيَن يقُاتَلُون فِي سَبيِلهِ صَفًا كَأنَّهُم بُنْياَنُ مرَصْوص} وتحويلها عبر اثبات الوطنية للساسة والسلاطين إلى دور للعبادة لكنها تختلف عن باقي دور العبادة بأنها لا يرفع فيها الصليب ولا تدق فيها الأجراس!

ذلك المنهج الذي ينحر على عتبات السلاطين مفهوم الولاء والبراء الحقيقي! ذلك المنهج الذي تلوى من خلاله الأدلة الشرعية بما يتلاءم مع المصلحة الشرعية التي ترضي ولي الأمر وتبقي له كرسيه المزوق! وأما آيات الجهاد الصريحة الواضحة البينة القطعية الدلالة .. وأما عن آيات اقامة دولة الله الحقيقية في الأرض .. فليس لها محل عند أرباب هذا المنهج سوى في المد والادغام والإشمام .. (وتَغَنَواَّ بالقُرانِ فََمَنْ لَم يتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا) !

في الوقت الذي يجبر فيه الرئيس الأميركي الادارة الاميركية قاطبة على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل! يخرج علينا الناطق الرسمي باسم التجمع السلفي المدعو سالم الناشي قائلًا: أعطوني مثالًا واحدًا على إضرار أميركا بالعالم الإسلامي! ? عجبًا والله! إذا كان هذا حال قائدهم وناطقهم الرسمي فما حال الرعاع والأتباع?!

اليهودي الأميركي المفكر (نعوم تشومسكي) قد بح صوته وجف حبر قلمه من كثرة ما يفضح صنائع اميركا ومؤامراتها على الاسلام والمسلمين .. ثم يأتي من يزعم انه سلفي العقيدة وذو عقيدة صافية ليكون متأمركًا أكثر من الاميركيين أنفسهم! فيتمحك لها الاعذار وربما لو استرسل اكثر لجعلها الرحمة المهداة على الاسلام والمسلمين!

لا تستغربوا! فعندما يكون منطق هذا (السلفي!) وحجته الشرعية الدامغة على طهارة أميركا ومصداقيتها هو أنها جعلت الكويت حليفًا استراتيجيا لها .. فلا بأس ان تنهوا النقاش معه وتكبروا عليه أربعًا!

عجبًا! يتحدث السلفيون الحقيقيون عن حق الله على عباده في الارض وحق الله في اقامة دولته التي تحارب اميركا كل من يفكر في اقامتها .. ثم يأتي هذا السلفي الكبير ليقول الحمد لله صارت التجارة طيبة عندنا بالكويت .. والاقتصاد جيد والاستثمارات بدأت تنتعش والأموال بدأت تعود للبلد .. الخ منطق الدولار والدرهم الذي صار عبر منهجه السلفي المزعوم يتحاكم اليه وبكل روح وطنية (!) بدلًا من الكتاب والسنة!

يقول الله تعالى: {يَا أيَها الَّذيِنَ آمنوا مَا لَكُمْ إذَا قيل لَكُمُ أنفِرُوا في سَبيلِ اللَّه اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بالْحَيَاة الدُّنيا من الآخرة فَمَا مَتَاعُ الْحيَاة الدُّنيا في الاخرة إلَّا قَليل} ، هذه آية واحدة من مئات الآيات التي تفضح منهج هذا السلفي الكبير مع أتباعه المساكين الذين صاروا يهجرون أهل البدع ويحذرون منهم كما يزعمون، وفي الوقت نفسه يعلمون اتباعهم أصول المحافظة على الدينار والدرهم والدولار في ظل العلاقة الأميركية الحميمة!

عجبًا .. دين الله ينحر في الأرض ويعطل شرعه الحنيف .. ثم يأتي من يرفع شعار الكتاب والسنة ليتحدث عن حقوقهم في الاستثمارات الاجنبية والأميركية! قسمًا بالله عيب .. {مَا لَكُمْ لا تَرجْوُنَ للَّه وقَاَرًا} ؟!

معاشر السادة النبلاء:

في السابق قال المفكر مالك بن نبي أن الدعاة بدخولهم الى المعارك الانتخابية قد دخلوا الى معارك الأوثان, لكن واقع الحال يقول أن بعض دعاة هذا العصر لم يقتصر تقهقرهم ونكوصهم عن المنهج الحق بدخولهم الى تلك المعارك الوثنية فحسب ولكنهم تجاوزا القنطرة وشبوا عن الطوق فصاروا هم من دعاة الأوثان وحماة الوثنية .. تلك الوطنية اللعينة .. الوثن الجديد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت