فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 274

الرد المبين على ما قاله ممثل"التجمع السلفي"

[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]

الرد المبين السلفي على ما قاله ممثل"التجمع الإسلامي السلفي"!

فما يدري خراش ما يصيد ... الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

لم يرعني غداة يوم من أيام العيد، إلا وأحد الإخوة يتصل قائلا: أنه يجب أن تقرأ ما قاله ممثل"التجمع الإسلامي السلفي"للرأي العام بتاريخ [1/ 2/2004م] ، فقلت له:

لقد تكاثرت الظباء على خراش

ثم إن هذا ليس وقته، فالأمة كما ترى، قد ابتليت بهذه الهجمة الغربية الصهيونية من كل حدب وصوب.

قال: ويحك!! هذا فيما نحن فيه.

قلت: وما ذاك.

قال: إنه يحوم حول أن يقول للناس؛ إنما هذا النظام العالمي الجديد بقيادة أمريكا، للقضاء على"الإرهاب"، وإشاعة الرفاه والأمن، والاستقرار، وما على أمريكا من بأس، فقد أثبتت مصداقيتها!

والأمر يختلف هذه المرة، فهو ناطق يمثل غيره، ممن يتكلمون باسم طائفة من الحركة الإسلامية، وإذا لم يرد عليه، ظن الناس أنه يقول ما لاتثريب على قائله في الشريعة.

فما صك سمعي والله شر مما سمعت ذلك اليوم، ثم شر مما قرأت، لما قرأته، وقد نزل بي من الهموم ما الله به عليم.

وقد وجدت فيه مغالطات كثيرة غير أن أخطرها ثلاث طامات:

1)تبرئة أمريكا من أي ضرر على العالم الإسلامي، وقوله كما قال بحروفه جوابا على سؤال مندوب الصحيفة: هل تؤيدون إعلان الكويت الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية؟

قال: (هذا أتى في شكل طبيعي نتيجة لمواقف الكويت والكويت وضعت كل مستقبلها وكل إمكانياتها وسخرت كل شيء لإنقاذ الشعب العراقي وتحريره!! وبالتالي فان من الطبيعي أن تكافئ أميركا الكويت، وأن تجعلها حليفا استراتيجيا!! وهذا رد على الذين شككوا في عدم مصداقية أميركا تجاه الكويت!! وذلك عندما زار الرئيس الأميركي بوش المنطقة ولم يزر الكويت وان هذا معناه تنكر للكويت، كما قال عبد الباري عطوان وغيره، و"الاعلان"رد بليغ أن أميركا لا تتخلى عن حلفائها وكذلك فان الكويت ليست الدولة الوحيدة التي تعاونت، بل هناك البحرين ومصر اكبر الدول العربية) !!! حسبنا الله ونعم الوكيل.

2)الترحيب بالوجود الأمريكي في المنطقة وبالتحالف معها، ويتحدث عنه كأنه فتح كبير كما قال بحروفه بعد أن أوجد الأعذار للوجود الأمريكي وكأنه لا يملك أي تصور عن فداحة الأمر: (والحمد لله لاحظنا أن الوضع في الكويت هادئ والوضع الاقتصادي إلى الأفضل والاستثمارات بدأت تنتعش والأموال بدأت تعود إلى البلد، واعتبار الكويت حليفا استراتيجيا لأميركا أعطى اطمئنانا للسوق، وهناك خطط كبيرة للاقتصاد وهذا ما نحتاجه وهذا يعود على استقرار المنطقة ورفاهية شعوبها وامنها، فالى متى تعيش هذه الشعوب في حالة قلق واضطراب؟) !!!

3)بدا كأنه لايهمه سوى الكويت، وأما ما يصيب الأمة من هذا العدو الأمريكي الخبيث الصائل عليها فلا شيء!! ولم يعبأ بأي خطر للهيمنة الثقافية الأمريكية على العقيدة - لاسيما الولاء والبراء - أو الشريعة، أو الأخلاق الإسلامية التي سيفسدها الوجود الأمريكي، بما يحمله بطبيعة الحال من ثقافة وأهداف وسياسة خطرة على شعوب المنطقة، تجاهل ذلك في اللقاء، ولم يتطرق عند الحديث على الوجود الأمريكي - وهو يمثل تيارا إسلاميا - سوى إلى الرفاه الاقتصادي الذي يبشر به الوجود الأمريكي، والأمن والاستقرار الذي ستنعم به المنطقة في ظله!!!

وما إن فرغت من قراءته، حتى كدت أن أترحم على"أندرو باسيفتش"، المدير التنفيذي لمعهد السياسة الخارجية في واشنطن عندما قال عن"المحافظين الجدد": (ومع إدراكهم للفوضى التي سقطت فيها الثقافة الأمريكية، يبقى المحافظون الجدد قوميين بشكل كبير، وبالفعل فإن الكتاب"المحافظين الجدد"يلمحون أحيانا إلى أن حملة صليبية مظفرة في سبيل قضية سامية، من شأنها بث الحياة في الشعور المتضائل بالهوية الأمريكية، وهم لا يعترفون بأي حدود لما يمكن أن تحققه ممارسة أمريكا بقوة لمهمتها القيادية .. ثم يقول؛ هل ستستمر الصين في مقاومة موجه التحول الديمقراطي المتصاعد؟ إن الإجابة على ذلك بسيطة في نظر الكاتب الصحفي جورج ويل، وذلك من خلال قيام الولايات المتحدة بسياسية"حقن الصين بالروح الأمريكية"، وبالتالي"إبطال الأدوات التي يستخدمها الحكم الصيني للسيطرة على المجتمع) [مجلة فيرست ثينغس مارس 1998م مقال بعنوان"THE IRONY OF THE AMERICAN POWER"] ."

ولكني مع ذلك شعرت بالأسى، والخسارة العظيمة، فقد تم للآسف حقن جزء لا يستهان به من أبناء الفكر الإسلامي - إذا كان الناطق حقا يمثل التيار الذي يمثله، ولم يصدر منهم تبرؤ مما قاله حتى كتابة هذا المقال - بـ"الروح الأمريكية"، حتى لقد صاروا أكثر"روحانية"من المحافظين الجدد أنفسهم!!

حتى كأن الذي أجرى معه اللقاء قد اندهش، عندما سمع ممثل التيار الإسلامي الذي طالما"هجر المبتدعة"!! يكيل المديح لأمريكا وما حققت للمنطقة، فقال:(سيفسر كلامك انك تمتدح أميركا بصورة كبيرة؟.

الممثل: أنا لا امتدح بل أتعامل مع الواقع.

هل هذا يعني أن أميركا لم تضر العالم الإسلامي؟

الممثل: اعطني مثالا واحدا!!

الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية؟

الممثل - في تهرب واضح من اتهام أمريكا: موضوع فلسطين موضوع شائك ويحتاج إلى تفصيل، فأميركا لم تكن في الصورة منذ البداية، بل بريطانيا هي التي وعدت بوعد بلفور ثم تخلت عن العرب والمسلمين والفلسطينيين، هذا هو الأصل)!!!

إنه نفس الكلام الذي يقوله ممثلو الخارجية الأمريكية.

وواضح جدا، أن"حقنة الروح الأمريكية"، المخصصة للكويت - وليس الصين - قد وصلت إلى النخاع، وأشربها القلب، حتى طفحت فعرق منها الجسد، وفاض، ثم تحول إلى بحيرة، تسبح فيها بعض الحركات الإسلامية، حالمة بمستقبل زاهر، لتجارتها ومصالحها الحزبية والشخصية تحت ظل الهيمنة الأمريكية على منطقتنا!! أما ماسوى ذلك فيبدو أنه لم يعد ذا أهمية!

إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها.

لكن السؤال الكبير هنا: ترى ما هو السبب؟

ما هو السبب الذي أدى بحركة إسلامية، تتبنى في الأصل نهجا عقديا صارما، حتى دفعها ذلك إلى مراغمة حركات إسلامية أخرى لإتهامها بالخروج عن نهج السلف، والتحذير من شخصيات إسلامية باعتبارهم"مهرطقين"، أن يتحولوا إلى مرحبين بالتحالف الاستراتيجي - وما يقتضيه من الولاء والبراء على أساس القانون الدولي العلماني - مع"المحافظين الجدد"،"المسيحين المتصهينين"في واشنطن؟!! فيغضون الطرف عن كل"هرطقة"المحافظين الجدد، وعبثها بالعالم والمنطقة العربية؟!!

كيف تحول فكر شديد الحساسية لانتقاد السلطة، يرفض إزعاج السلطة بأي شيء يكدر خاطرها، خوفا أن يتطور ذلك - ولو بعد قرن من الزمان - إلى"سفك الدماء"و"حدوث الفتن"، تحول فجأة إلى"مهلل"، أو لنقل على الأقل غير مبال بسفك أمريكا آلاف الدماء البريئة في أفغانستان والعراق، وعن طريق الصهاينة في فلسطين، ودعم الهند ضد باكستان، وملاحقة العلماء النووين الباكستانين .. إلى آخر ما تفعله في كل بقاع الإسلام من ملاحقة لكل جماعة جهادية، أوقوة إسلامية يحتمل أن تبرز.

وإحداثها الفتن في بلاد الإسلام، وكلما هيمنت على بلد، باحتلال عسكري أو غيره، ظهرت وعلت - ليس الجماعات الإسلامية السنية الأخرى المخالفة لمنهج السلف! - بل كل ما هناك من قرون الشيطان!!

كيف انتقل هذا الفكر هذه النقلة النوعية، وفي وسط هذا الصخب العالمي المتعالي بالسخط على سياسة أمريكا الخارجية، حتى من عقلاء المفكرين الأمريكيين أنفسهم، فشذ هذا الفكر، لوحده، عن ذلك كله، وفاجأ الأمريكيين بتصريح ممثل هذا الفكر، أنه لا يوجد مثال واحد، على أن أمريكا أضرت بالعالم الإسلامي!! وأن مشروعها الذي تبشر به في البلاد العربية، يحمل الرفاه والاستقرار، وينقذ المنطقة من الاضطراب الذي طالما عانت منه!

بلا ريب، وواضح جدا أن أمريكا لم تطلب كل هذا، لأنها لم تحلم به أصلا، أعني أن يعطي ممثل لحركة"سلفية"، شديدة التمسك بالتراث، تصر على تحكيم الكتاب والسنة في كل شيء، لا تتسامح مع صغار البدع والإحداث في الدين، يعطي أمريكا صك البراءة، فاتحا ذراعيه للمشروع الأمريكي إلى هذه الدرجة!

لقد بث هذا التصريح"الكارثي"، في روح"المحافظين الجدد"رياحا مفعمة بالأمل الرحب، بتحويل الشعوب العربية كلها إلى"محافظين جدد"، بحقنة أمريكية ممزوجة بالشريعة الإسلامية على نهج السلف الصالح!!

ترى هل توقعوا ذلك، يوما من الأيام؟

فكيف ليت شعري حدث هذا؟ إنه أمر محير حقا، إنها ظاهرة سياسية واجتماعية فريدة بحاجة إلى دراسة متأنية من جميع النواحي، لاسيما وهي ظاهرة بدأت تنتشر فعلا، كما نلمسه في الواقع، في هذا الفكر المنتسب إلى"السلفية"، في منطقة الخليج؟

يا للعجب والله إنه لأمر محير فعلا!! .. لو قصه قاص على الأولين لما صدقوه، ولو تلاه تال على السالفين لكذبوه!

لكن ما هو السبب؟

· هل هو حب الدنيا، والركون إليها، وطلب الرفاه، الذي جعلهم ينسون إنتماءهم إلى الأمة، ولايهمهم سوى رفاههم في بلدهم، ولو على حساب الدين، وهي حالة الغثائية التي ورد التحذير منها في الحديث، وليت شعري أي رفاه هذا، إنه مجرد ارتياح لـ"ثقافة الاستهلاك"التي بدأت تنتشر، فهل هذه هي تلك الفتوحات الأمريكية العظمى للمنطقة!!

· هل هو جهل أن هدف الدعوة الأساسي هو رعاية الدين، وحماية العقيدة، حتى لو صار الداعي غريبا، وليس مسايرة الواقع، طمعا في مكاسبه، ألم يقل كل نبي {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} .

· هل هو خلل في فهم قاعدة تعارض المصالح والمفاسد، في الشريعة الإسلامية، ووضعها في غير موضعها؟!!

· أم هو خلل في صميم الفكر في بعض المنتمين إلى الحركة الإسلامية في الكويت نتج عن جعل الشرع تبعا للواقع والرضوخ له، فالواقع أصبح مصدر الحكم الشرعي، لا موضعه!! كما تجد ذلك في فلتات لسان ممثل هذا التيار الإسلامي، فكأنه يقول؛ هذا ما يريده الناس، فإن قلنا بخلافه، تركونا فخسرنا دنيانا! وهكذا فرغوا الدعوة الإسلامية من محتواها، فتحولت إلى أحزاب سياسية همها إرضاء أهواء الحكام، أو شهوات الناس!! ونتج عن النظر إلى مصلحة الإسلام من خلال مصلحة الحزب السياسي، وأسباب بقاءه وتمتعه بنفوذه في البلد الذي يوجد فيه فحسب.

· أم هي حالة فصام شديدة، سببها التعارض بين المصالح الحزبية، والمصالح الإسلامية؟! فالمصالح الحزبية أصبحت تمثل مجموعة من التجار"الإسلاميين"المنتفعين بشركاتهم، ومؤسساتهم، ونفوذهم، من الحملة الأمريكية، وكأن لسان حال هذا الفكر يقول: فما المانع أن تكون مصلحة الإسلام، هي مصلحة الحملة الأمريكية؟!! والنصوص الشرعية قابلة للتأويل، فلماذا لا نستفيد من فكرة التأويل - التي حرمناها - لكي نجعل نصوص الشريعة، قابلة للنظام الأمريكي الجديد؟!!

· أم هل هي إفرازات انعكاسية نفسية، بسبب الإرتعاب من هذه الترسانة الأمريكية التي تجوب الخليج والعالم العربي؟! فسببت ذهول الفكر عن الرؤية الصحيحة؟!

· أم هي مناورات سياسية، لكن جاءت ممن لا يملكون خبرة كافية فيها، فلايتم اختيار الكلمات المناسبة، التي تبقي على التوازن، بين فائدة المناورة، والحفاظ على الثوابت التي تلقى إلى الجمهور لئلا يحدث لديهم إرتباك في الوعي؟!!

· أم هذا هو حقا، باكورة ثمرة العولمة أو"الأمركة"، لكنها فاقت التوقعات، فضربت في صميم الفكر الإسلامي، حيث حولته إلى إسلام أمريكاني صرف!!

والحق الذي لاريب فيه أن مجموع ما تقدم هو السبب، ليس لدى كل شخصية مصابة بهذه اللوثة، ولكن مجموع هذه الأسباب مبثوثة في المجموع، وهذا مما يؤكده الواقع مصدقا لآيات الوحي التي تحذر من إزالة معالم فريضة الولاء والبراء، لأن ذلك من شأنه أن يثمر انتكاسا خطيرا في المفاهيم، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أي عرى الإسلام أوثق؟ قالوا؛ الصلاة، قال؛ حسنة وما هي بها! قالوا؛ صيام رمضان، قال؛ حسن وما هو به! قالوا؛ الجهاد! قال؛ حسن وما هو به، قال؛ أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله) [رواه أحمد من حديث البراء من عازب رضي الله عنه] .

ورحم الله الإمام أبا الوفا ابن عقيل رحمه الله تعالى، إذ قال: (إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة) .

سبحان الله، صدق عمر رضي الله عنه: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) .

أخطر ما في هذه الحالة الغريبة:

أخطر ما ذكره صاحب اللقاء الممثل عن حركة إسلامية كويتية هو:

1)ارتماءه في أحضان أشد الدول عداوة للإسلام، وتأييده عقد الولاء معها!!

2)منح أمريكا صك البراءة مجانا، لا .. بل مقابل محاربتها للإسلام، مما يعني إضفاء الشرعية الإسلامية، لخطط"المحافظين الجدد"في العراق والخليج، في ذهول تام عن خطر استعلاء الكافر

على بلاد الإسلام، فلم ير الناطق باسم هذا التيار الإسلامي، أي وزن لخطورة الارتماء في أحضان الأجنبي على العقيدة الإسلامية، الذي هو نتيجة حتمية لقبول استعلاء قوة عظمى، على الدول الضعيفة.

لقد نطق بأسوأ حكم براءة على أكبر مجرم في التاريخ، وتجاهل تماما خمسة جرائم أمريكية تحملها معها أمريكا إلى العالم، لا تقاس بها جريمة:

1)جريمة التخريب الثقافي، والأخلاقي.

2)جريمة تبني أمريكا عقيدة الحرب الوقائية وخطرها على الأمة الإسلامية خاصة.

3)جريمة إقامة وحماية واستغلال النظام الربوي العالمي للهمينة على الشعوب.

4)جريمة حماية ودعم والمشاركة في جميع جرائم الصهاينة عبر التاريخ.

5)جريمة تبني عقيدة ونهج"المحافظين الجدد"مع خطورتهم على الأمة الإسلامية.

وقد نتج عن ذلك، احتلال ثلاث دول إسلامية، اثنتين تحتلها الجيوش الأمريكية، وهي العراق، وأفغانستان، والثالثة يحتلها الصهاينة بدعم أمريكا. وحماية ودعم الحكام الطغاة أيضا، والهيمنة على الأمة عن طريقهم. وما نتج وينتج عن ذلك من فساد، وسفك للدماء، ومحاربة الإسلام، جرائم لا تحصى، وهي ينبوع مستمر ينضح بالجرائم، كل ذلك آثامه، في رقبة السياسة الأمريكية كما سنبين هذا بالتفصيل فيما سيأتي.

هذا كله، لم يعجب الناطق باسم"التجمع الإسلامي السلفي"! ولم يعده شيئا، ولهذا قال بكل ثقة"أعطني مثالا واحدا على محاربة أمريكا للإسلام"؟!!

والعجيب أنه أيضا، لا يلفت النظر إلى اعتبار أصل الولاء والبراء بتاتا في هذا الباب، مع ما يمليه التحالف الاستراتيجي من أبعاد خطيرة جدا تتعارض والعقيدة الإسلامية، وأحكام الشريعة الإسلامية في علاقات الدول المبنية على أصول الدين.

وقد كان من المتوقع، أن يكون واضحا لدى جميع التيارات الإسلامية في الخليج، أنه من أولى الأوليات، واعظم الواجبات على الحركة الإسلامية، مواجهة هذه العولمة"الأمركة"، وما تمليه من إفرازات خطيرة، على مجتمعاتنا، وأخطر ما فيها أن نتيجتها الحتمية - والتي ستظهر عبر الأجيال بجلاء لو استمرت لا قدر الله - هي ما يلي:

جريمة التخريب الثقافي:

فالأمركة ستعني، انتشار هذه الثقافات المدمرة لا محالة: انتشار ثقافة التبعية، وهي أخطر شيء على العقيدة، وثقافة الاستهلاك، وثقافة المادية، ثقافة عبادة الجنس، وثقافة الجريمة والعنف اللذين هما أخطر جراثيم"الأمركة"، وثقافة التهاون القيمي، أو خلخلة النسق القيمي.

هذا وما أجهل من يظن أن أمريكا لاتهتم بنشر ثقافتها، إنما تريد احترام التعددية الثقافية في إطار الحفاظ على مصالحها المشروعة، وما أجمل ما قاله المفكر الدكتور عبد الوهاب مسيري عن الفكر المادي الغربي بشكل عام: (يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء جميع الأيدلوجيات العلمانية الشاملة - ومثل لها بالليبرالية أيضا - هو ما يسمى"التطور أحادى الخط"UNILINAR، أي الإيمان بأن ثمة قانونا علميا وطبيعيا واحدا للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية تصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس، وهذا ما يسمى أيضا"نظرية التلاقي"CONVERGENC THEORY، والتلاقي هو توجد النماذج كلها بحيث تبع نمطا واحدا وقانونا عاما واحدا، هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مكونا من وحدات متجانسة، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى، ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو هن حق عصر نهاية التاريخ) أهـ [الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ 267] .

وما أصدق ما قاله توماس مان الذي قال عندما رأى استعار الموجه الصهيونية - الأمريكية: (إن عكر العقول والنفعية الفظة والرجعية السياسية والكراهية العنصرية وكل علاقات الاضطهاد الروحي قادمة على الطريق، كما ذكر عنه ذلك موريس مندلسون في"روائيون أمريكيون") .

· لقد تجاهل الناطق باسم"التجمع الإسلامي السلفي"، تجاهل تماما دور أمريكا في بث التخريب الثقافي، وتحويل المجتمعات إلى مرتع للثقافة الغربية التائهة.

فهلا إذ نسي كل ما تفعله الثقافة الأمريكية من تغريب وتخريب، نراهما كل يوم في العالم الإسلامي، هلا تذكر قبل أن يمنح أمريكا صك البراءة، تلك الحملة الشعواء التي أطلقها مجموعة من القساوسة المنتمين إلى حزب"المحافظين الجدد"، على شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، واتهامه بأفظع التهم، في عهد هذه الإدارة الأمريكية!!

إن هؤلاء القساوسة الآباء الروحيين لحزب"المحافظين الجدد"، الذين يعج بهم البيت الأبيض، المفترين على الإسلام، المحرضين على أهله، ليسوا سوى امتداد لتعصب طفحت به الكنيسة الغربية، وما أروع ما قاله مراد هوفمان في كتابه"الإسلام ديانة في صعود" [ص 164] : (إن من الواضح أن الكنيسة لاتزال تحرم محمدا من إعادة الثقة به، وتصحيح صورته ورد الاعتبار له، لأنها لاتزال أسيرة إنكارها له، ولن يجرؤ أي شخص من المعسكر المسيحي، حتى وإن كان لا يؤمن بأن الإسلام عقيدة مضللة وأن محمدا دجال ومحتال، لا يستطيع أن يتخيل أن يعترف بالقرآن ككتاب مقدس، مثله مثل الكتاب المقدس للعهدين القديم والجديد، لان الاعتراف بمحمد رسولا، أي وعاء لوحي الله، يعني ضمنا الاعتراف بالقرآن ككتاب مقدس والوصول إلى هذه الخطوة، يتطلب دراسة واسعة وتعاملا حميما مع القرآن) .

جريمة تبني عقيدة الحرب الوقائية:

كما تجاهل تماما، عندما أعطى أمريكا صك البراءة مجانا، بل مقابل محاربتها للعمل الخيري الإسلامي في كل الأرض!! تجاهل أيضا، خطر عقيدة الحرب الوقائية الأمريكية على العالم الإسلامي!!

يقول ماتن مارتي عن هاجس خطر الآخر عند الأمريكيين: (إنهم مثل اليهود، مسكونون دائما بهاجس الخطر الذي يهدد وجودهم وثرواتهم، إنه خطر الهنود، وخطر الكاثوليك، وخطر الإسلام، وخطر الأيدلوجيات الخارجية، وخطر المهاجرين الغرباء .. وجميع هذه الأخطار تتلاحق زرافات ووحدانا .. إنهم يبدأون بإطلاق النار على الشياطين من حملة هذه المخاطر، ويعلقون على صدورهم الجثث بطاقة تقول: لقد كنا دائما في حالة دفاع عن النفس، هذا هو القاسم المشترك بين النفسية الأمريكية والنفسية اليهودية) [نقلا عن كتاب الجذور المذهبية لحضانة الغرب وأمريكا لإسرائيل - حمدان ص 105] .

وتقول الكاتبة الأمريكية"ميريل ميراك" [كما نشرت ذلك الرأي العام 31/ 5/ 2003م] : (أشارك اليوم في بحث مشكلاتنا في واشنطن، من حيث حرب الولايات المتحدة غير الشرعية على العراق، التي أثارت المخاوف في العالم الإسلامي والعالم كله، والتي خالفت الإدارة الأميركية فيها الأمم المتحدة والقانون الدولي، وأعلنت أنها ستقود العالم كإمبراطورية رومانية جديدة وسوف تحطم من يقف ضدها وحاول البعض أن يلعب بشكل ما ويصل إلى تسوية مع الوحش الجديد الموجود في أميركا، وكما يقول لاروش في وثيقة له حول السياسة الخارجية الأميركية:"إن السياسة الفاشية الأميركية لابد من رفضها والثورة ضدها لأنها تهدد العالم كله وسوف تعيده إلى عصور ظلام جديدة، إن التغيرات لابد أن تأتي من داخل الولايات المتحدة، ولكن هذا يحتاج إلى مشاركة دول أورو آسيا ودول الشرق الأوسط") .

وعن الحرب الأميركية الوقائية قالت: (في سبتمبر من عام 2000 نشروا تقريرا حول إعادة بناء دفاعات أميركا وهذا التقرير أعاد كما في عام 1999 للدعوة من جديد إلى تقوية الولايات المتحدة من أجل هزيمة أي منافس وتحدثوا عن ضرب العراق بشكل محدد, وفي سبتمبر من عام 2002 نشرت الاستراتيجية الأميركية الأمنية الجديدة للحرب الوقائية وهي التي تحدثت بوضوح عن إمكانية توجيه ضربات نووية إلى روسيا والصين والعراق وإيران وكوريا الشمالية وليبيا وسورية) .

وقالت: (إن هذا العرض الذي قدمته يظهر لكم أن السياسة القومية الأميركية ليست جديدة وليس لها علاقة بالعراق تحديدا، وهي تكشف كذب ادعاء الإدارة الأميركية الذي يقول إن حربها ضد الإرهاب هي رد فعل لما حدث في 11/ 9/2001، لقد كانت هذه السياسة متبعة منذ نحو عشر سنوات، وهي التي دفع بها تشيني والصقور من ورائه في الإدارة الأميركية، ولكن بعد وصول بوش إلى السلطة في يناير 2001، أصبحوا هم الحكومة وجاؤوا بعد ذلك بوولفويتز وبيرل) .

جريمة إقامة وحماية واستغلال النظام الربوي العالمي للهمينة على الشعوب:

وتجاهل أي اعتبار لخطورة دور أمريكا في تكريس الاقتصاد الربوي العالمي، وربط اقتصاديات الدول الضعيفة باقتصادها الذي يفرض عقوبات على أي دولة لا تخضع لاحترام القوة الصهيونية وترفض تهديدها، فالهيمنة الاقتصادية الأمريكية وسيلة لتكريس وهيمنة عقيدة تخدم الوجود والقوة والنفوذ الصهيوني.

وكم كان مصيبا ذلك القسيس الأسباني عندما رد على ريجان قوله: (إن ثراء ورخاء أمريكا يرجع إلى كونها أمة مباركة من الله) ، قال القسيس: (تجديف وهرطقة، ثروة وقوة أمريكا ترجع إلى استغلال العالم وبخاصة العالم الثالث عبر التبادلات غير المتوازنة وغير المتعادلة، وفرض استيراد المنتجات الأمريكية بالقوة، وغزو رؤوس الأموال الأمريكية للدول التي تنخفض فيها المرتبات، وعبر الفوائد الإستغلالية للقروض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت