أجل هذا هو التقييم الصحيح والمطابق، لفترة الاستعمار الغربي، الأوربي ثم الأمريكي، حتى توجت هذه الهيمنة بتطبيق نظام"بريتون وودز"، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ثم جاءت منظمة التجارة العالمية، فطم الوادي على القرى، ودق الغرب الصليب على أسنة السيوف، إما الحروب والدمار والموت، أو الرضوخ لهيمنتا الاقتصادية التي تعني التبعية الكاملة.
جريمة لحماية والدعم والمشاركة في جميع جرائم الصهاينة عبر التاريخ:
والأدهى والأمر من ذلك كله، أنه تجاهل دور أمريكا في دعم وحماية وتأييد جرائم الحرب الصهيونية البشعة منذ عهد ولسون، الذي سارع إلى تأييد وعد بلفور، إلى يومنا هذا.
و تحدث الناطق باسم هذه التجمع الإسلامي، عن أمريكا بلا اعتبار لأي دور اليهود في الإدارة الأمريكية!!
يقول آلان بييرفيت في جريدة الفيجارو الفرنسية 5/ 11/1990م:(إن جماعتي ضغط قويتين تدفعان الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفجير الصراع هما:
1)اللوبي اليهودي.
2)ولوبي رجال الأعمال.
وفي هذا الموقع الحساس لحدود الإمبراطورية الجديدة، لا تتوقف دولة اسرائيل عن لعب الدور الذي حدده لها مؤسسها الروحي تيودور هرتزل، ألا وهو أن تكون"حصنا متقدما للحضارة الغربية في مواجهة بربرية الشرق)."
يقول"ليشياهو ليبوفيتز"الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، وهو الذي أشرف 20 عاما على تأليف الموسوعة العبرية، يقول في كتابه"اسرائيل واليهودية / 1987": (قد يصيبنا الانهيار التام في ليلة واحدة، من جراء البلادة التي جعلت وجودنا مرهونا بالمساعدات الاقتصادية الأمريكية) [ص 125] .
ويقول: (فكل ما يهم الأمريكيين هو الحفاظ على جيش من مرتزقة أمريكيين يرتدون زي الجيش الإسرائيلي) [ص 266] .
وأخيرا يختم بهذه العبارة التي تصرخ بالحقيقة: (إن قوة القبضة اليهودية تأتي من القفاز الأمريكي الفولاذي الذي يغطيها، ومن الدولارات التي تبطنه) [ص 253] .
ومعلوم أن جميع جرائم الصهاينة ضد الإسلام، إنما جرائم الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد ولسون: لقد سارع الرئيس الأمريكي ولسون في تأييد وعد بلفور حتى قال في مؤتمر باريس للسلام مطمئنا اليهود: (لم أفكر يوما بأن من الضروري أن أقدم لكم تأكيدات جديدة، على التزامي بوعد بلفور، ولم أجد حتى الآن من يعارض الهدف الذي يجسده، إنني لا أرى ما يدعو للشعور بالإحباط، بل أرى كل مبرر للأمل بالحصول على ضمانات مرضية) [ليونارد شتاين - إيضاحات حول بلفور - لندن - 1961م] .
وقد كان بلفور نفسه على حق عندما علق ساخرا: (يصعب على أن أفهم، كيف يوفق الرئيس الأمريكي ولسون بين تأييده للحركة الصهيونية، ومبدئه في حق تقرير المصير) [نقلا عن اغتيال التاريخ لحمدان حمدان 65] .
وفي 21/ 9/1922م، وافق المجلسان النواب والشيوخ على وعد بلفور، وتم الختم على فلسطين يهودية بوعد انكليزي وقرار أمريكي.
وفي عهد روزفلت انطلقت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي عهد ترومان وافقت أمريكا على قرار التقسيم، وفي عهده اعترفت بـ"اسرائيل"، في 14/ 5/1948م، وحتى قبل أن تطلب منها حكومة اسرائيل المؤقتة برئاسة دافيد بن غوريون، ثم منحتها 100مليون دولار، وكانت تعادل ميزانية مصر والشام والعراق آنذاك.
ومن ذلك الحين إلى أن قال كارتر أمام الكنيست: (لقد جسد من سبقني من الرؤساء الأمريكيين الإيمان حين جعلوا من العلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل أكثر العلاقات خصوصية، إنها علاقات فريدة لأنها متأصلة في ضمير الشعب الأمريكي، وفي أخلاقه وفي دينه، وفي معتقداته، وكما أن الولايات المتحدة واسرائيل، أقامها رواد مهاجرون، فإننا نتقاسم معكم تراث التوراة أيضا) [الدعاية الصهيونية في أمريكا، فايز صايغ ص 17] .
وإلى أن تولى ريغان المؤمن بخرافة الهرمجدون، ثم ختمها بوش الابن الذي نرى جرائم الصهاينة في عهده، تفوق الوصف، وقد سقط حتى الآن من الانتفاضة الأخيرة آلاف الضحايا والشهداء، وفي الأسر آلاف الأسرى، ويغيب الشعب الفلسطيني وراء الجدار العازل، وتحول مدنه إلى معتقلات، ويغتال مجاهدوه، ويقتل نساؤه وأطفاله وشيوخه، وكل ذلك لم يره الناطق الرسمي شيئا!!
لم تضر أمريكا الإسلام في شيء!!
وهاهو بوش، يفتح العراق للصهاينة، يسرحون فيه ويمرحون، كما نقلت وكالات الأنباء في الشهر الذي سقطت فيه بغداد هذا الخبر: (اربيل - أ. ش. أ: وصل إلى اربيل وفد من الكنيست الإسرائيلي يضم سبعة أعضاء من بينهم نائبان من اصل كردي في زيارة تستمر ثلاثة أيام، وذكر مصدر كردي أن الوفد سيجري خلال الزيارة مباحثات مع كبار المسؤولين في الحزب الديموقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني تتركز حول التعاون في المجال النفطي وإمكانات توطين أعداد من اليهود في شمال العراق. واضاف أن وفد الكنيست الإسرائيلي الذي وصل إلى اربيل تحت حماية مشددة من جانب القوات الأميركية وقوات البشمركة الكردية سيزور أيضا مدن السليمانية وصلاح الدين ودهوك، مشيرا إلى أن الوفد قد وصل إلى اربيل قادما من العاصمة العراقية بغداد) .
هذا ومازال الصهاينة يعربدون في العراق، كما يشتهون ويعقدون الصفقات على مستقبله، بإشراف الإدارة الأمريكية الحالية.
جريمة تبني عقيدة ونهج المحافظين الجدد وخطورته على الأمة الإسلامية:
وهذا ينقلنا إلى الحديث عن خطر عقيدة ونهج"المحافظين الجدد":
قال روبرت فيسك كاتب الاندبنت كما نقلت صحيفة"الجزيرة"السعودية [بتاريخ 25 ذو الحجة 1423هـ] : (بعد انتهاء البرنامج الذي قمت بتسجيله لإحدى المحطات التلفزيونية الأمريكية، وهي محطة ليبرالية جيدة، وكان ذلك في ولاية تكساس الأمريكية والتي اتفق الجميع فيها على أن دخول الحرب خطأ وان جورج بوش قد اصبح «ألعوبة» في أيدي الأصولية المسيحية اليمينية، وتيار المحافظين الجدد الموالي لإسرائيل) .
هذا ومن أحسن من وصف، كيف تحولت الإدارة الأمريكية إلى هذا النهج الجديد، وما هي أهدافها في ضوء عقائدها الخرافية، الكاتب القبطي المصري سمير مرقص، فقد وصف هذه المسيرة الدينية أحسن وصف، قال: (ثم تنامى دور اليمين الديني في عهد كلنتون، لكن كلينتون أيضا لم يكن متدينا، ولذلك كان لديه هامش مناورة بينه وبين اليمين الديني، المشكلة أتت بتولى الرئيس"بوش"الابن مسئولية كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، لأن الرئيس"بوش"في الحقيقة هو أحد أبناء اليمين الديني الذي يسمى بالمصطلح الديني الـ"AGAIN- BORN"، أي ولد من جديد، فقد كان بوش شخصا بعيدا عن الإيمان، وفي صباح أحد أيام 1995م، اكتشف أنه لابد أن يعود إلى الله .. وأصبح الدين جزءا أو مكونا أساسيا في الإدارة الأمريكية، ولأول مرة أيضا يتحالف الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري الأمريكي مع اليمين الديني، ويقومون بعمل صيغة أو خلطة جديدة في أمريكا، وقد بدأت هذه المشكلة في يناير 2001م، إلا أننا لم نشعر بها وقتها ولذلك فربما كانت واحدة من مزايا 11/ 9، أنه أظهر لنا هذا بشكل واضح، وجسده بشكل، واضح بالنسبة للسياسة الخارجية أو العلاقات الدولية بشكل عام) .
ثم يقول:(ومشكلة هذا اليمين أن الإدارة الحالية في الحقيقة هي تجسيد مهم جدا لفكرة التعامل مع العالم من خلال إعادة نمط التوسع الغربي أيام الكشوفات الجغرافية، فحين بدأت أوربا الانتشار في القرن الخامس عشر أو قبل ذلك أيضا، بدأت تنتشر في العالم بمنطق التوسع الغربي الذي يقوم على ثلاثة أشياء: العسكر أو القوة المسلحة، والتجارة، والتبشير، ولذلك فإن كل التوسعات الغربية التي تمت في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وغيرها كانت المراكب من خلالها تخرج من إسبانيا أو البرتغال أو غيرها وتذهب إلى هنا وهناك، وهي تحمل ثلاثة مكونات: التاجر، والعسكري، والمبشر، وهنا يتضح أن العسكر رمز القوة، واستخدام القوة، والتاجر رمز تبادل الثروة والتجارة .. إلخ، والمبشر هو شكل من أشكال الهيمنة الثقافية.
وأتصور أن الرئيس بوش أعاد مع الإدارة الجديدة هذا النمط من التوسع الخارجي عند التعامل في العلاقات الدولية، ولذلك ليس مصادفة أن كل الأدبيات التي نتجت عن هذه الإدارة - سواء قبل 11/ 9 أو بعد 11/ 9 - كلها لا تخلو من الثلاثة عناصر السابقة، ليس هذا فقط، بل إنني وقع في يدي بعض الوثائق أثناء الحملة الانتخابية للرئيس بوش.
وكانت كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الحالية هي المسؤولة عن تقديم، السياسة الخارجية أثناء الحملة الانتخابية المعبرة عن الحزب الجمهوري، تتحدث عن الثلاثة مفاهيم هذه: فكرة كيف يقوم التوسع أو التحرك الدولي على هذه الأسس الثلاثة، وفكرة النظام المالي والاقتصادي العالمي وفكرة استخدام القوة - سواء العسكرية أو غير العسكرية - أو استخدام القوانين الدولية مثل قانون الحرية الدينية أو غيره، ثم استخدام الهيمنة الثقافية أيضا، سواء من خلال استخدام الإعلام الأمريكي القوى، والآلة الإعلامية الجبارة، أو باستخدام وسيلة التبشير، ولذلك فعند قراءة كتابات"هنتينجتون"وكتابات أخرى كثيرة قراءة متأنية نجدها تتضمن إعادة تقسيم العالم على أسس حضارية وثقافية ودينية لإعادة رسم خريطة العالم مرة أخرى، لكن تقسيمة"هنتيجنتون"للأسف ليست موجودة في الترجمة العربية).
هذه هي حقيقة حزب"المحافظين الجدد"المهيمنين على الإدارة الأمريكية، وبأيدهم أقوى وأخطر قوة عسكرية عالمية، فأي خطر على أمتنا أكبر من ظهورهم واستعلاءهم على بلاد الإسلام!
والخلاصة:
إننا نرى هذا الكلام الذي نشرته الصحيفة عن ممثل حركة إسلامية كويتية، خطير جدا، والأخطر منه، إن كان لا يدري أنه خطير.
وسواء قاله وهو يعتقد - ومن يمثلهم - حقيقة ما قاله، ويلتزم أبعاده، وهو أن خطط الإدارة الأمريكية التي رسمتها إنطلاقا من رؤية دينية، للمتصهينين في الإدارة الأمريكية، لاخطر على الإسلام منها، وبالتالي لاحاجة لمعارضها في الشريعة الإسلامية، بل هي تحقق الرفاه والازدهار والاستقرار للمنطقة!!
أو قاله لأنه لم يقدر خطورة الكلمة التي تلقى للجمهور وأنه لا يصلح فيها المناورات السياسية في الأمور المتعلقة بالعقيدة الإسلامية والموقف من أشد الأمور خطرا عليها.
فالواجب عليه , وكل من يعتقد مقالته، الرجوع إلى دينه، فقد اقتحم فرية عظيمة، مناقضا لأصل الإسلام، وعليه التوبة إلى الله تعالى، والإنابة إليه، والتبرؤ التام، من كل المخططات الأمريكية، وإظهار ذلك، وإيثار رضا الله تعالى، على مجاراة الأهواء، والآخرة على متاع الدنيا القليل {هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا * ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} .
وإنكار هذه المقالة الخطيرة واجب شرعي من صميم التوحيد، لا يجوز التهاون فيه.
وانطلاقا من خوفنا على الأمة، وحذرا من الوقوع في معصية ترك النهي عن المنكر، أو نصحا للمخطئ ولمن يمثلهم أو يقتدون بقوله، كتبنا هذا الرد، سائلين الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
ونهيب بكل الغيورين على الإسلام وأهله، أن يتصدوا لكل الدعوات المشبوهة التي تريد أن تهون من خطر هذه الحملة الصليبية الصهيونية، على الأمة الإسلامية، وتريد أن تقول للناس: أنه أمر هين فلا تنكروه، بينما هو عند الله عظيم، والتصدي لهؤلاء واجب، والرد عليهم فريضة، فالأمة تتعرض لهجوم شديد الوطأة، لم يسبق لهم مثيل، قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه] .
وحماية عقيدة الأمة فرض لازم، حتم على كل عالم.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} .
هذا ونضيف هنا سؤال وجوابه يبين حكم موالاة الكافر، والدخول في تحالف معه، وخطر ذلك على التوحيد:
السؤال: ما قولكم في أناس ينتسبون إلى العلم الشرعي والدعوة الإسلامية، يقولون إن المسلمين يجوز له أن يدخلوا في تحالفات دائمة مع الكفار، وأي كفار، كفار يحاربون الإسلام في كل مكان، ويقتلون المسلمين، وتحكمهم طائفة متعصبة صهيونية، ويحمون الصهاينة جهارا نهارا، ويقول هؤلاء المنتسبون إلى العلم إن ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين، وأنه من باب درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح، وأن المسلمين في الدول الصغيرة يجوز لهم أن يدرءوا مفسدة الخوف من ذهاب الأمن، على كل ضرر، وهذا لا يحدث إلا بالدخول في تحالفات استراتيجية مع الكفار حتى لو كان ذلك على أساس القانون الدولي العلماني فلا حرج فيه، وقد لبسوا على عامة المسلمين، وينسبون كلامهم إلى شريعة الإسلام، فما قولكم فيما يقولون؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
نننقل هنا ما رد به العلامة سيدي المهدي الوزاني من علماء فاس المتوفى عام 1342هـ، على من أفتى بجواز الاحتماء بالكفار مستدلا باحتماء الصديق بمشرك، قال الوزاني صاحب"النوازل الكبرى" [3/ 72 - 78] :(قلت؛ فتح هذا الباب فيه حرج وشطط، مع أن هذا الكلام كله غلط، إلى أن قال: وأيضا الاحتماء بالكفار اليوم هو خروج من الإسلام، والتزام بطاعة الكفار، بحيث إذا أمره الكافر بشيء يسارع إلى امتثال أمره كيفما كان، وإن أمره كبير المسلمين بشيء، ولو طاعة، لا يساعده ولا يرضى به، ولا يعتبره حتى يأذن له الكافر، ولم يصدر هذا من أبي بكر قط، ولايتوهم في حقه، وحاشاه من ذلك.
وأيضا احتماء أبي بكر كان لتحصين دينه وتتميم إيمانه، ولم يكن لتحصين بدنه أو ماله، فكيف يقاس أمر الدنيا عل الدين؟!
وقد قتل الحجاج وغيره ألوفا من الأفاضل، صحابة وغيرهم، ولم يرض واحد منهم بهذا الفعل الشنيع الذي هو الاحتماء بالكفار.
وأيضا هؤلاء المحتمون تراهم يضحكون على المسلمين، ويحقرون أمورهم، ويتمنون لهم أموار قبيحة كي يكونوا مثلهم {ودوا لو تكفرون ما كفروا فتكونون سواء} .
وأيضا تراهم لأجل أنهم منعوهم من ولاة المسلمين يحبونهم ويتمنون الغلبة لهم، إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة التي لا يرضى بها مسلم.
فقوله:"أنا صدرت مني فتوى بجواز الاحتماء بغير أهل الملة إذ لا محظور فيه من الشرع .. إلخ"، كلام باطل، وعن طريق الحق عاطل، لايحل كتبه إلا بقصد أن يرد، كالحديث الموضوع) .
ثم قال:(ثم رأيت نحو ما قلته في الأجوبة الكاملية، وذلك أنه سئل العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي، لما شاع وكثر في هذه الأزمنة من احتماء المسلمين بالكفار بعد نقضهم البيعة الإسلامية، بحيث يكون حكمهم كحكم رعاياهم الأصليين، إذا وقعت لهم حادثة التجأوا إليهم، واشتكوا إليهم، وإذا طلبوا أمراء الإسلام يمتنعون، ويقولون: نحن تحت حماية الدولة الفلانية، وإذا جلب إلى محكمة أهل الإسلام، يحضر معه رجل من طرف الحكومة الأجنبية، هل يجوز هذا في الشرع الشريف؟
فأجاب:
لا يجوز هذا الصنيع القبيح السيء في الشريعة المنورة، بل هو حرام، بل قيل: إنه كفر، وشهد له ظاهر قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بضعهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، وكذا ما بعد هذه الآية من قوله تعالى {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} ، فهي صريحة في أنه لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه مرض ونفاق والعياذ بالله.
وكذلك ظاهر قوله {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ، أي فليس من ولاية الله في شيء، فظاهره أنه انسلخ من ولاية الله رأسا، وقد قال تعالى في حق المؤمنين: {الله ولي الذين آمنوا} ، فمن انسلخ من ولايته تعالى فلا يكون الله وليه، فلا يكون مؤمنا، وكذلك قوله تعالى {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} ، ثم بين المنافقين بقوله تعالى {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} ، ثم قال {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} ، والآيات والأحاديث في هذا الشأن كثيرة، وهؤلاء المحتمون أشد ضررا على المسلمين من الكفار الأصليين) .
ثم قال: (فهذا وقد ألف في هذه الحادثة، سيدي علي الميلي رسالة شدد فيها النكير على من يفعل هذا الفعل، قال: فلا يجوز القدوم عليه ولو خاف على ماله أو بدنه، لأن المحافظة على الدين مقدمة عليهما. ومن القواعد الأصولية:"إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما". ومنها قولهم:"مصيبة في الأموال ولا مصيبة في الأبدان، ومصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان"، فالمؤمن رأس ماله، وأعز شيء عنده دينه، فهو مقدم على كل شيء) . انتهى النقل عن النوازل الكبرى.
ومن يتأمل كلام هؤلاء المتخبطين بغير علم، يرى أنهم يعكسون تماما دلالة قوله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ، فالله تعالى جعل الكفر والصد عن سبيل الله، هو الفتنة، وهي أشد من القتل، وهؤلاء يجعلون حتى الأذى، ونقص الرزق، وذهاب الأمن، وليس القتل، أشد عليهم من الفتنة في الدين.
وهم مع ذلك لم يتدبروا حقا قوله تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} ، أي أن الكفار إنما يجعلون قوتهم العسكرية، وسيلة يتوسلون بها إلى ارتداد المسلمين عن دينهم، لأن الشيطان هو الذي يقودهم ويأزهم على المؤمنين.
والعجب أنهم كأنهم يظنون ظن السوء بربهم، أنهم إن هم أطاعوه لم يرزقهم على طاعته، وإن عصوه فصاروا تحت حماية الكفار رزقهم على معصيته! فتأمل كيف لبس عليهم الشيطان، فظنوا أن في تحالفهم مع أشد الناس كفرا وعداوة للمؤمنين، أمنا واستقرارا ورفاها، كما حكى الله تعالى عن الذين في قلوبهم مرض قولهم: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} .
وصار مثلهم كما وصف الله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} ، فهؤلاء الذين يعبدون الله على حرف، إنما يريدون نصر الدين بشرط أن لا يصيب دنياهم شيء، فإن خافوا على دنياهم، لجأوا إلى الكافر فارتموا في أحضانه، وإن علموا أن في ذلك فسادا عظيما في دينهم، قد فتنهم حب الدنيا، فأوردهم هذه المهلكة.
وهم يتذرعون بأن هؤلاء الكفار الصليبيين يتركون المسلمين يصلون ويصومون ويحجون ويزكون، فليس في موالاتهم ضرر على الدين، وينسون، أو يتناسون أن في استعلاء الكفار بثقافتهم، وأخلاقهم، وسياساتهم، واقتصادهم، فساد عام عريض دائم يجتث الأجيال، ويوقعهم تحت تأثير استلاب الكفار للشخصية الإسلامية في أبناء المسلمين، وتحطيم الهوية الإسلامية، وتغيير جذري في معالم الإيمان، واستبدال الثقافة والقيم الغربية التائهة المنحلة بعقيدة الإسلام وأخلاقه، وأن هذا واقع لا محالة وضرره شامل مستمر وبالغ الخطورة على عموم الأمة.
لكنهم مع ذلك يستروحون إلى طلب الراحة، والرفاه، والتوسع في الأموال والتجارات، تحت ظل الكافر، على حساب عقيدتهم ودينهم.
ويتذرعون أحيانا بالخوف والخطر على الوطن، وقد حولوه إلى صنم، يحلون من أجله الحرام، ويحرمون الحلال، ويعقدون الولاء والبراء عليه، ويقدمون توفير دنياهم فيه، على صلاح دينهم، وفي هذه الفتنة أنزل الله تعالى: {ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ْ.
وإنما هم في هذه الفتنة: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} .
وهؤلاء بدل أن يجعلوا هذه الفتنة أشد من القتل، فيفروا منها ولو إلى الموت، ليرزقهم الله تعالى حياة الشهداء، بدل أن يفعلوا ذلك، ليسلكوا سبيل المؤمنين من قبلهم، فروا من مجرد الأذى - وليس من الموت - إلى الفتنة، فاركسوا فيها، واستعملهم الله تعالى في أشد مساخطه وهو تسخير أشد أعداءه الذين يبغضهم، وهم اليهود والنصارى، تسخيرهم لهؤلاء المفتونين، يؤيدون خطط الأمريكيين الصليبين في بلاد الإسلام، ويفتون الناس بأن هؤلاء الصليبين إنما هو مصلحون، فيضلون، ويضلون الخلق، فنعوذ بالله تعالى أن يستعملنا في مساخطه.
أما قولهم: إنهم متبعون للمصالح الشرعية الراجحة، أو أنهم يدرءون المفاسد والمضار، فهو من تلبيس الشيطان، فمفسدة تأييد استعلاء الكفار على بلاد المسلمين، من أعظم المفاسد على الدين، غير أن هؤلاء جعلوا أهواءهم هي المعيار الذي يرجحون به بين المفاسد والمصالح.
كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور: