فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 274

ولم تدرِ عوّادها ما بها ... أخي الكريمُ:

السلامُ عليكم ورحمة ُ اللهِ وبركاتهُ، وبعدُ:

وصلتني رسالتُكَ وصلكَ اللهُ بهداهُ، ولا يسعني إلا أن أبادلكَ الشعورَ بمثلهِ، والقلوبُ شواهدٌ على ذلكَ، واللهُ المسئولُ أن يُنعمَ عينًا باللقاءِ في جنّاتِ عدن ٍ، في مقعدِ صدق ٍ عندَ مليكٍ مُقتدر ٍ.

سيّدي الكريمُ:

لم أتأخّرَ عليكَ تجاهلًا، أو نِسيانًا، ولكن دهمتني مجموعة ٌ من الصوارفِ والشواغل ِ، كادتْ أن تُنسيني طيبِ حديثكِ ورسائلكَ، لولا أنَّ منَّ اللهُ عليَّ فزالتْ، فاهتبلتُ الفرصة ُ لكتابةِ هذه الرسالةِ، على وجهِ العجلةِ، علّها تروي غليلًا، وتشفي عليلًا، وإن كانَ القصورُ مضروبًا على بني البشر ِ، إلا أنَّ علمي بحسن ِ ظنّكَ، وغضِّ طرفكَ، حمّسني للمضي والكتابةِ.

سبب كتابة هذا الموضوع

ذكرتَ لي أنّ بعضَ الجاميّةِ سطّرَ فيَّ مقالًا، وقد أخبرني بذلكَ بعضُ أهلي، بعدَ دخولهم إلى الساحاتِ يومًا ما، فوجدوا المقالة َ قد نُشرتْ، فأعلموني بها، فقرأتُ العنوانَ على وجهِ السرعةِ، وأعرضتُ عن الدخول ِ إليها، لعلمي بجهلهم الفاضح ِ، وتهافتهم الظاهر ِ، ولن يزيدوا في المقال ِ شيئًا، اللهمَّ إلا أنواعًا جديدة ً من الشتم ِ والسِّبابِ والتصنيفِ، ولا تستغربْ فربّما أنشأوا فرقة ً سمّوها الأدغاليّة َ!!، فالقومُ أخفُّ أحلامًا، ويستفزّهم كلُّ شيءٍ، ويطيرونَ عندَ أدنى صرخةٍ، ويفزعونَ من أصغر ِ حركةٍ (يحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم) .

أمّا سؤالُكَ عن حقيقتِهم، وماهيّةِ مذهبهم، وتأريخُ بدايتهِ، فهذا بابُ عريضٌ واسعٌ، ولا يمكنُ الجزمُ فيهِ بشيءٍ واحدٍ دونَ غيرهِ، وذلكَ أنَّ تأريخَ هذه الطائفةِ المارقةِ، من جهةِ ابتداءِ النشأةِ ومكانها وظروفِها، يكتنفهُ شيءٌ من الغموض ِ المُتعمّدِ من قِبلهم، ومردُّ ذلكَ إلى أحداثٍ معيّنةٍ كانتْ جارية ً في تلكَ الفترةِ، وانشغلَ النّاسُ بها، فوجدتْ هذه الفرقة ُ المارقة ُ جوًّا خصبًا للنشوءِ والانتشار ِ، واستغلّوا غفلة َ النّاس ِ عنهم، ومهّدوا لذلكَ بعدةِ ممهّداتٍ، جسّوا خلالها نبضَ النّاس ِ، حتّى إذا آنسوا منهم غفلة ً وثبوا وثبة َ الذئبِ على الفريسةِ الغارّةِ الغافلةِ.

تاريخ ظهور الجامية

وبداية ُ نشأتهم تقريبًا كانتْ في حدودِ الأعوام ِ 1411/ 1412 هـ، في المدينةِ النبويّةِ على ساكنِها أفضلُ الصلاةِ والسلام ِ، وكانَ مُنشئها الأوّلُ محمّد أمان الجامي الذي توفّيَ قبلَ عدّةِ سنواتٍ، وهو من بلادِ الحبشةِ أصلًا، وكانَ مدرّسًا في الجامعةِ الإسلاميّةِ، في قسم ِ العقيدةِ، وشاركهُ لاحقًا في التنظير ِ لفكر ِ هذه الطائفةِ ربيع بن هادي المدخلي، وهو مدرّسٌ في الجامعةِ في كليّةِ الحديثِ، وأصلهُ من منطقةِ جازانَ.

لا أعلمُ على وجهِ التحديدِ الدقيق ِ وقتًا دقيقًا محدّدًا للتأسيس ِ، إلا أنَّ الظهورَ العلني على مسرح ِ الأحداثِ، كانَ في سنةِ 1411 هـ، وذلكَ إبّانَ أحداثِ الخليج ِ، والتي كانتْ نتيجة ً لغزو العراق ِ للكويتِ، وكانَ ظهورًا كفكر ٍ مُضادٍّ للمشايخ ِ الذين استنكروا دخولَ القوّاتِ الأجنبيّةِ، وأيضًا كانوا في مقابل ِ هيئةِ كِبار ِ العلماءِ، والذين رأوا في دخول ِ القوّاتِ الأجنبيّةِ مصلحة ً، إلا أنّهم لم يجرّموا من حرّمَ دخولها، أو أنكرَ ذلكَ، فجاءَ الجاميّة ُ واعتزلوا كلا الطرفين ِ، وأنشأوا فكرًا خليطًا، يقومُ على القول ِ بمشروعيّةِ دخول ِ القوّاتِ الأجنبيّةِ، وفي المقابل ِ يقفُ موقفَ المعادي لمن يحرّمُ دخولها، أو يُنكرُ على الدولةِ، ويدعو إلى الإصلاح ِ، بل ويصنّفونهُ تصنيفاتٍ جديدة ً.

علاقة الجامية بالمباحث ووزارة الداخلية

ويذكرُ بعضُ المشايخ ِ أنَّ هذه الطائفة َ نشأتْ بمباركةٍ من وزارةِ الداخليّةِ، حيثُ قامتْ بتوظيفِ مجموعةٍ من النّاس ِ، وذلكَ بقصدِ ضربِ التيّار ِ الإصلاحيِّ، والذي كانَ يتنامى في تلكَ الفترةِ، والذي كانَ على رأسهِ الشيخُ العلامة ُ: سفرُ بنُ عبدالرحمنَ الحواليِّ - حفظهُ اللهُ - وبقيّة ُ إخوانهِ من المشايخ ِ، وهذا القولُ قولٌ واقعيٌّ تمامًا، تدلُّ عليهِ الأحداثُ، ويشهدُ لهُ الظرفُ والوقتُ الذي ظهروا فيهِ، ويدلُّ عليهِ كذلكَ أنَّ محمّد أمان الجامي كتبَ في تلكَ الفترةِ، مجموعة ً من البرقيّاتِ إلى وزارةِ الداخليّةِ، يحرّضهم فيها على الشيخ ِ: سفر الحوالي، ويطلبُ فيها منهم إيقافهُ ومسائلتهُ على كلامهِ، وأمرُ هذه البرقيّاتِ مشهورٌ جدًّا، وموارقُ الجاميّةِ أصلًا لا ينكرونَ مبدأ العمل ِ في المباحثِ، أو مبدأ الترصّدِ للدعاةِ، بل ويتقرّبونَ إلى اللهِ ببغضهم وبإلحاق ِ الأذيّةِ بهم، ومنهم من يستحلُّ الكذبَ لأجل ِ ذلكَ.

وقد قالَ عبدالعزيز ِ العسكرُ في إحدى خطبهِ أنَّ دماءَ هؤلاءِ المشايخ حلالٌ، وذلكَ بسببِ فتنتهم التي نشروها وبثّوها!!، وقد سُئلُ العسكرُ عن حكم ِ العمل ِ مع المباحثِ - في شريطٍ مُسجّل ٍ بصوتهِ - فقالَ: وماذا يضيرُكَ لو عملتَ في المباحثِ، وقمتَ بحمايةِ الدولةِ من المفسدينَ والخارجينَ!!، والحمدُ للهِ الذي لم يمهلْ هذا العسكرَ طويلًا، ففُضحَ فضيحة ً نكراءَ أدّتْ إلى فصلهِ وعزلهِ، والتشهير ِ بهِ، وذلكَ عاجلُ عقوبتهِ في الدنيا.

وخلاصة ُ الكلام ِ غي نشأتهم أنّهم قاموا في مقابل ِ مشايخ ِ الصحوةِ في ذلكَ الوقتِ، من أمثال ِ المشايخ: سفر وسلمان وناصر وعايض وغيرهم، وشكّلوا جبهة َ عداءٍ لهم، وأخذوا يردّونَ عليهم ردودًا جائرة ً، ويصنّفونهم بتصنيفاتٍ ظالمةٍ، ويقعدونَ لهم كلَّ مرصدٍ، ولا يتركونَ تهمة ً إلا ألصقوها فيهم، والسببُ هو تنفيرُ النّاس ِ عن قبول ِ ما لدى هؤلاءِ المشايخ ِ من الحقِّ، وإسقاطًا لهم، ورفضًا لمشاريعهم الإصلاحيّةِ، وإضفاءً لنوع ٍ من الشرعيّةِ اللامحدودةِ للدولةِ، بحيثُ تُصبحُ فوقَ النقدِ، ولا يطالها يدُ التغيير ِ مهما فعلتْ من سوءٍ أو جنايةٍ، كلُّ ذلكَ بمسوّغاتٍ شرعيّةٍ جاهزةٍ.

أشهر أسماء الجامية

وأمّا أسماءهم التي عُرفوا بها فمنها: الجاميّة ُ، وهذا نسبة ً إلى مؤسّس ِ الطائفةِ، محمّد أمان الجامي الهرري الحبشي، والمداخلة ُ، نسبة ً إلى ربيع بن هادي المدخلي شريك الجامي في تأسيس ِ الطائفةِ، وتارة ً يسمّونَ بالخلوفِ، وقد أطلقَ هذا الاسمَ عليهم العلاّمة ُ عبدالعزيز قارئ، وتارة ً يسمّونَ أهلَ المدينةِ، نسبة َ إلى نشأةِ مذهبهم فيها، وأنا أرى أن يُسمّوا موارقَ الجاميّةِ، وذلكَ لمروقهم عن طائفةِ المُسلمينَ العامّةِ، ونكوصهم عن منهج ِ السلفِ، وتبنّيهم لفكر ٍ دخيل ٍ مبتدع ٍ منحطٍ، لا يعرفُ التأريخُ لهُ نظيرًا أبدًا.

هذا المذهبُ في بدايتهِ، كانَ يقومُ على البحثِ في أشرطةِ المشايخ ِ، والوقوفِ على متشابهِ كلامهم، أو ما يحتملُ الوجهَ والوجهين ِ، ثمَّ جمعُ ذلكَ كلّهِ في نسق ٍ واحدٍ، والتشهيرُ بالشيخ ِ وفضحهُ، ومحاولة ُ إسقاطهِ بينَ النّاس ِ وفي المجتمع ِ، وقد استطاعوا في بدايةِ نشوءِ مذهبهم من جذبِ بعض ِ من يُعجبهُ القيلُ والقالُ، وأخذَ أتباعهم يكثرونَ وينتشرونَ، وذلكَ بسببِ جرأتهم ووقاحتهم، وتهوّرهم في التصنيفِ والتبديع ِ، وممّا زادَ أتباعهم كثرةً أنَّ الدولة َ في تلكَ الفترةِ كانتْ ضدَّ أولئكِ المشايخ ِ المردودِ عليهم، فوجدوا من الدولةِ هوىً وميلًا لهم، هذا إضافة ً إلى من كانَ من رجال ِ الداخليّةِ أصلًا، وهو يعملُ معهم ويجوسُ في الديار ِ فسادًا وإفسادًا، أو من كانَ مُستغلًا من قِبل ِ الداخليّةِ والدولةِ.

الجامية في مرحلتها الأولى

وفي تلكَ الفترةِ الحرجةِ، والممتدةِ من سنةِ 1411 إلى سنةِ 1415 هـ، كانوا قد بلغوا من الفسادِ والتفرقةِ أمدًا بعيدًا، واستطاعوا تمزيقَ الأمّةِ والتفريقَ بينهم، ولم يتركوا شيخًا، أو عالمًا، أو داعية ً، إلا وصنّفوهُ وشهّروا بهِ، إلا هيئة َ كبار ِ العلماءِ، وذلكَ لأنّها واجهة ُ الدولةِ الرسميّةِ، وكذلكَ لم يصنّفوا مشايخهم، أو من كانَ في صفّهم، كلَّ هذا وقوفًا مع الدولةِ، وتأييدًا لها.

ومن المشايخ ِ الذين أسقطوهم في تلكَ الفترةِ: سفر الحوالي، سلمان العودة، ناصر العمر، عايض القرني، سعيد بن مسفر، عوض القرني، موسى القرني، محمد بن عبدالله الدويش، عبدالله الجلالي، محمد الشنقيطي، أحمد القطان، محمد قطب، عبدالمجيد الزنداني، عبدالرحمن عبدالخالق، عبدالرزّاق الشايجي، وغيرهم.

وكانَ أساسُ تصنيفهم للعالم ِ والداعيةِ، هو موقفهُ من الدولةِ، فإن كانَ موقفُ الشيخ ِ مناهضًا للدولةِ، ويدعو إلى الإصلاح ِ، أو إلى تغيير ِ الوضع ِ القائم ِ، فإنّهُ من الخوارج ِ، أو من المهيّجةِ، أو من المبتدعةِ الضالّينَ، ويجبُ التحذيرُ منهُ وإسقاطهُ!!.

وعندما أصدرَ الشيخُ بنُ باز ٍ - رحمهُ اللهُ - في سنةِ 1413 هـ بيانًا يستنكرُ فيهِ تصرّفهم، ويعيبُ عليهم منهجهم، وقامَ الشيخُ سفرٌ بشرحهِ في درسهِ، في شريطٍ سُمّي لاحقًا: الممتاز في شرح ِ بيان ِ بن باز، طاروا على إثرها إلى الشيخ ِ - رحمهُ اللهُ - وطلبوا منهُ أن يزكّيهم، حتّى لا يُسيءَ الناسُ فيهم الظنَّ، فقامَ الشيخُ بتزكيتهم، وتزكيّةِ المشايخ ِ الآخرينَ، إلا أنّهم لفرطِ اتباعهم للهوى، وشدّةِ ميلهم عن الإنصافِ، قاموا ببتر ِ الكلام ِ عن المشايخ ِ الآخرينَ، ونشروا الشريطَ مبتورًا، حتّى آذنَ لهم بالفضيحةِ والقاصمةِ، وظهرَ الشريطُ كاملًا وللهِ الحمدُ.

أشهر شيوخ الجامية

وكان من أشدَّ الجاميّةِ في تلكَ الفترةِ، وأنشطهم: فالحٌ الحربيُّ، و محمّد بن هادي المدخلي، وفريدٌ المالكيِّ، وتراحيبٌ الدوسريًّ، وعبداللطيف با شميل ٍ، وعبدالعزيز العسكر، أمّا فالحٌ الحربيُّ فهو سابقًا من أتباع ِ جُهيمانَ، وسُجنَ فترة ً بسببِ علاقتهِ بتلكَ الأحداثِ، وبعد خروجهُ من السجن ِ، تحوّلَ وانتحلَ طريقة َ موارق ِ الجاميّةِ، وأصبحَ من أوقحهم وأجرئهم، وأمّا فريدٌ المالكي فقد انتكسَ فيما بعدُ، وأصبحَ من أهل ِ الخرابِ، وهو حقيقة ٌ لم يكنْ مستقيمًا من قبلُ، ولكنّهُ كانَ يُظهرُ ذلكَ، وأمّا باشميل فوالدهُ شيخٌ معروفٌ، ومؤرخٌ فاضلٌ، إلا أنَّ ولدهُ مالَ عن الحقِّ، وأصبحَ جاميًا، بل من أخبثهم أيضًا، ولهُ عملٌ رسميٌّ في المباحثِ، وباسمهِ كانتْ تسجلُ التسجيلاتُ في مدينةِ جدّة َ، وعن طريقهَ سلكَ الأميرُ ممدوحٌ وولدهُ نايفٌ، طريقَ الجاميّةِ، أمّا عبدالعزيز العسكرُ فقد فضحهُ اللهِ بفضيحةٍ شنيعةٍ، فُصلَ على سببها من التدريس ِ، وأمّا تراحيبٌ فهو مؤلّفُ كتابِ القطبيّةِ، وأمّا صالحٌ السحيميُّ فإنّهُ من غلاة ُ الجاميّةِ، وأكثرهم شراسة ً وتطرّفًا، وفي محاضرةٍ لهُ ألقاها بجامع ِ القبلتين ِ، جعلَ الشيخين ِ سفرًا وسلمانَ قرناءَ للجعدِ بن ِ درهمَ وللجهم ِ بن ِ صفوانَ ولواصل ٍ بن ِ عطاءٍ في الابتداع ِ!!.

ثمَّ لاحقًا تسلّمَ دفّة َ قيادةِ الفرقةِ الجاميّةِ المارقةِ: ربيعٌ المدخليِّ، وتفرّدَ بالساحةِ، وأصبحَ يُشاركهُ فيها فالحٌ الحربيُّ، ولهم مجموعة ٌ أخرى من المشايخ ِ، إلا أنَّ هؤلاءِ كانوا أشهرهم هنا، وفي تلكَ الفترةِ بدأتْ أماراتُ مرض ِ محمّد أمان الجامي تظهرُ، حيثُ أصيبَ بمرض ِ السرطان ِ في فمهِ، ثمَّ ماتَ بعدَ ذلكَ بقرابةِ السنةِ، فخلى الجوِّ على إثر ِ ذلكَ للمدخليِّ، ولم يجدْ من يُنافسهُ غيرَ مقبل ٍ بن هادي الوادعي في بلادِ اليمن ِ فقط.

الفترة الزمنية الثانية للجامية وبداية انحدارهم وتشتتهم

في هذه الفترةِ، وبعدَ سجن ِ المشايخ ِ، وعدم ِ وجودِ من يُنازعُ الدولة َ، بدأ الجاميّونَ يلتفتونَ لأنفسهم، وأخذوا يقرّرونَ قواعدهم، ويأصلونَ لمذهبهم، وينظّرونَ لهُ، وكثرتْ تصانيفهم الخاصّة ُ بتقرير ِ قواعدِ مذهبهم، أو الدفاع ِ عنهُ، بعدَ أن كانوا مُهاجمينَ لغيرهم فيما مضى، وهنا انشرخَ جدارهم الشرخَ الكبيرَ، وبدأو ينقسمونَ انقساماتٍ كبيرة ً، كلُّ طائفةٍ تبدّعُ الطائفة َ الأخرى، ولا يزالونَ إلى هذا اليوم ِ في انقسام ٍ، وتشرذم ٍ، كما كانَ حالُ المعتزلةِ، والذين تشرّذموا في فترةٍ وجيزةٍ، وانقسموا إلى عشراتِ الفرق ِ، كلُّ أمّةٍ منهم تلعنُ أختها، وتصفُها بصفاتِ السوءِ، وتُعلنُ عليها العِداءَ والحربَ!.

الكلام على فرقة الحدادية وأصل شبهتهم

وأوّلُ انشقاق ٍ حدثَ، كانَ ظهورُ فرقةِ الحدّاديةِ، وهم أتباعُ محمودٍ الحدادِ، وهو مصريٌّ نزيلٌ بالمدينةِ النبويّةِ، من أتباع ِ ربيع ٍ، إلا أنّهُ كانَ أجرأ من ربيع ٍ وأصرحَ، ولهذا قامً بطردِ أصولهِ، وحكمَ على جميع ٍ من تلبّسَ ببدعةٍ، أن يُهجرَ، وتُهجرَ كتبهُ وتصانيفهُ، وأظهرَ دعوتهُ الشهيرة َ لحرق ِ كتبِ الأئمةِ السابقينَ، أمثالَ كتبِ ابن ِ حزم ٍ والنّوويِّ وابن ِ حجر ٍ وغيرهم، وذلكَ لأنّهم مبتدعة ٌ، ويجبُ هجرهم، وتحذيرُ النّاس ِ من كتبهم، أسوة ً بسفر ٍ وسلمانَ والبقيّةِ.

وقد كانَ الحدّادُ في ذلكَ صادقًا، ويدعو إليهِ عن دين ٍ وعلم ٍ، ويرى أنَّ الأصلَ يجبُ طردهُ، ولا يمكنُ عزلُ الماضي عن الحاضر ِ، وتعاملُ العلماءِ مع المبتدعةِ واحدٌ، وقد وافقهُ على ذلكَ ربيعٌ في أوّل ِ الأمر ِ، ثمَّ لمّا رأى إنكارَ النّاس ِ على الحدّادِ، أعلنَ الانقلابَ عليهِ، وتبرّأ منهُ.

والسببُ الذي دعا موارقَ الجاميّةِ، إلى الكفِّ عن تبديع ِ الأئمةِ السابقينَ، هو أنّهم كانوا أصحابَ هدفٍ محدّدٍ، ولهم وظيفة ٌ واحدة ٌ، وهي تنفيرُ النّاس ِ عن اتّباع ِ المشايخ ِ المُصلحينَ، وإسقاطهم، وما عدا ذلكَ فلا شأنَ لهم بهِ، وأمّا الحدّادُ فقد كانَ رجلًا عابدًا، ويرى أنَّ الدعوة َ لا بُدَّ من طردها وإعمالها جميعًا، ولم يكنْ يعرفُ مقصدهم، وأنّهم كانوا مجرّدَ اتباع ٍ للدولةِ فقط، ولا يهمّهم أمرُ العلم ِ من قريبٍ أو بعيدٍ، ولهذا خرجَ عليهم، ونابذهم، وانفصلَ عليهم، وسُمّيتْ فرقتهُ بالحدّاديةِ، ثمَّ سعوا في إخراجهِ من المدينةِ، حتّى تمكّنوا من ذلكَ، ومعَ مرور ِ الوقتِ خمدتْ دعوة ُ الحدّدايّةِ في بلادِ الحجاز ِ، وانتقلتْ حمّاها إلى بلادِ اليمن ِ ومصرَ والشامَ وغيرها.

تناقضات بعض شيوخ الجامية وبيان طوامهم

ولشيوخهم من التهافتِ والجهالاتِ الشيءُ الكثيرُ.

خذْ مثلًا ربيع المدخلي، هذا الرّجلُ الذي يزعمُ الجاميّة ُ أنّهُ حاملُ لِواءِ الجرح ِ والتعديل ِ في هذا العصر ِ، ومعَ ذلكَ فقد وجدَ الباحثونَ عليهِ ثغراتٍ كبيرة ً منهجيّة ً، في علم ِ أصول ِ الحديثِ، والذي هو تخصّصهُ، بل وجدوا عندهُ من السقطاتِ والزلاّتِ، ما يجعلُ أحدهم يستعجبُ كيفَ تفوتُ هذه على صِغار ِ الطلبةِ، فضلًا عن رجل ٍ يوصفُ بأنّهُ حاملُ لواءِ الجرح ِ والتعديل ِ!!.

وربيعٌ هذا كتبَ مرّة ً مقالًا عن مؤسسةِ الحرمين ِ الخيريةِ، ونشرها في منتدى سحابٍ، ووجدتْ صدى ورواجًا وقبولًا عندَ طائفتهِ، حتّى قامَ بعضُ كِبار ِ أهل ِ العلم ِ باستنكار ِ تلكَ المقالةِ، وردّوا على ربيع ٍ، وأنكروا عليهِ، فما كانَ منهُ إلا أن تبرّأ من المقالةِ، وأنّهُ لم يكتبها، وقامَ بنحلها لشخص ٍ هناكَ اسمهُ أبو عبداللهِ المدني!!، وأنَّ المدنيَّ المذكورَ هو من نشرَ المقالة َ وكتبها وليسَ ربيعًا!!، في تبرير ٍ سامج ٍ مُضحكٍ ومخز ٍ!!.

وربيعٌ هذا هو من أسقطَ أبا الحسن ِ المصري المأربيِّ، والطامّة ُ الكبرى أنَّ أبا الحسن ِ قد كانَ من كِبار ِ شيوخهم، ولهُ علاقة ٌ قويّة ٌ بالأمن ِ السياسيِّ في بلادِ اليمن ِ، وكانَ في تلكَ الأيّام ِ إمامًا للجاميّةِ، ومنظّرًا لها، وهو الذي تولّى نشرَ فتنةِ الإرجاءِ، والتصنيفَ فيها، وبعدما أسقطهُ المدخليُّ، تنكّروا لها، وهاجموهُ، وجعلوهُ مبتدعًا جاهلًا زائغًا منحرفًا!!، والأعجبُ من ذلكَ كلّهِ أنَّ أغلبَ سقطاتهِ وزلاّتهِ استخرجوها من أشرطةٍ قديمةٍ لهُ، في الفترةِ التي كانوا فيها على صفاءٍ وودٍّ!!.

وهذا دليلٌ واضحٌ على اتباع ِ القوم ِ للهوى، وغضّهم البصرَ عن أتباعهم، حتى إذا غضبوا عليهِ، قاموا وفجروا في الخصومةِ، وأخذوا يجمعونَ عليهِ جميعَ مآخذهِ وزلاّتهِ، ممّا كانوا يغضّونَ عنها بصرهم قديمًا، في فترةِ ولائهِ لهم!.

وربيعٌ هذا رجلٌ غريبُ الأطوار ِ جدًّا، كانَ في الأصل ِ من جماعةِ الإخوان ِ المُسلمينَ، ويُقالُ أنَّ رجوعهُ كانَ على يدِ الشيخ ِ سفر ٍ - حفظهُ اللهُ -، ومع ذلكَ فهو يتنكّرُ للشيخ ِ سفر ٍ أشدَّ التنكّر ِ، ويبغضهُ أشدَّ البغض ِ، ويحملُ عليهِ من الحقدِ الدفين ِ، ما يجعلُ ربيعًا يموتُ في اليوم ِ ألفَ مرّةٍ، إذا سمعَ خيرًا ينالُ الشيخَ سفرًا، أو رفعة ً تُصيبهُ.

وعندما ردَّ الشيخُ العلاّمة ُ بكرُ بن ِ زيدٍ، على ربيع ٍ في مسألةِ الشهيدِ السعيدِ: سيّد قطبٍ - رحمهُ اللهُ -، وكانَ ردُّ أبي زيدٍ في أربعةِ وريقاتٍ، قامَ ربيعٌ بعدها فسوّدَ صحائفَ مئاتِ الورق ِ، وكتبَ ردًّا مليئًا بالسبابِ والشتام ِ والإقذاع ِ، في حقِّ الشيخ ِ بكر ٍ!!، وقلبَ الموارقُ فيما بعدُ ظهرَ المجنِّ للشيخ ِ أبي زيدٍ، وصنّفوهُ حزبيًّا، وأسقطوهُ، وعدّوهُ من المبتدعةِ.

والأنكى من ذلك والأدهى، أنَّ ربيعًا قصدَ إلى علي حسن عبدالحميدِ، وسليمًا الهلاليَّ، وقالَ لهما: أسقطا المغراوي!!، وإن لم تُسقطاهُ فسأسقطكم أنتم!!.

باللهِ عليكَ هل هذا كلامُ رجل ٍ عاقل ٍ!!.

وهل هذا تصرّفُ رجل ٍ يبحثُ عن الخير ِ والهدايةِ للمدعو وللنّاس ِ!!.

أم تصرّفُ رجل ٍ ملأ الحقدُ والضغينة ُ قلبهُ، وأعمى بصرهُ!.

ومن مشائخهم كذلكَ مقبلٌ الوادعيِّ، وقد توفّي قبلَ سنةٍ في جدّة َ، وهو سابقًا من أتباع ِ جُهيمانَ، ولكنّهُ أبعدَ عن الدولةِ قبلَ خروج ِ جُهيمانَ، أي في حدودِ سنةِ 1399 هـ، حيثُ كانَ يدرسُ الحديثَ في الجامعةِ الإسلاميّةِ، وهو شديدٌ الأخلاق ِ، زعِرٌ، يُطلقُ لسانهُ في مخالفيهِ بالشتم ِ والسبِّ، بأرذل ِ العِباراتِ.

فمن ذلكَ أنّهُ قالَ عن الدكتور ِ: عبدالكريم ِ زيدان، العالمُ العراقيُّ الشهيرُ، صاحبُ كتابِ أصول ِ الدعوةِ، وكتابِ المُفصّل ِ في أحكام ِ المرأةِ المُسلمةِ، قالَ عنهُ الوادعيُّ: إنَّ علمهُ زبالة ٌ!، وقد بلغتْ تلكَ العبارة ُ للدكتور ِ زيدان ٍ، فجلسَ يبكي بكاءً مُرًّا.

ولستُ أدري واللهِ، كيفَ يجرأونَ على نعتِ مُخالفيهم بهذه الأوصافِ القذرةِ، لمجرّدِ أنّهُ خالفهم في مسألةٍ أو مسألتين ِ، وينسفونَ جميعَ علمهم، ويهدمونَ كلَّ آثارهِ ومعارفهِ، لمجرّدٍ شبهةٍ عرضتْ، أو حادثةٍ عنّتْ؟!.

ولهم غيرُ ذلكَ من التناقضاتِ الواضحاتِ البيّناتِ، وقد تتبّعَ ذلكَ جمعٌ كبيرٌ من الأفاضل ِ، وجمعوا فيهِ أجزاءً عدّة ً، ومن أرادَ الوقوفَ عليها فهي موجودة ٌ متيسّرة ٌ، وللهِ الحمدُ والمنّة ُ.

قائمة المشائخ الذين أسقطتهم الجامية

وقائمتهم الأخيرة ُ - إضافة ً إلى من مرَّ ذكرهم سابقًا -، التي جمعتْ المُسقَطينَ والمُنتقدينَ، جمعتْ أئمة َ الإسلام ِ في هذا العصر ِ، وكِبارَ شيوخهِ، ولم يسلمْ منهم أحدٌ، وممن ضمّوهُ لقائمتهم: الشيخُ بنُ باز ٍ، وقد تكلّمَ فيهِ ربيعٌ وانتقصهُ، والشيخُ الألبانيُّ، وقد تكلّمَ فيهِ ربيعٌ، وقالَ عنهُ سلفيّتُنا خيرٌ من سلفيّةِ الألبانيِّ، والشيخُ بنُ جبرين ٍ، والشيخُ بكرٌ أبو زيدٍ، والشيخُ عبداللهِ الغُنيمانُ، والشيخُ عبدالمحسن العبّادِ، والشيخَ عبدالرحمن البرّاكِ، والدكتورَ جعفر شيخ إدريسَ.

ومن الدعاةِ وبقيّة ِ المشايخ ِ: محمد المنجّد، و إبراهيم الدويّش، وعلي عبدالخالق القرنيَّ، وعبدالله السعد، وسعد الحميّد، وعبدالرحمن المحمود، ومحمّد العريفي، وبشر البشر، وسليمان العلوان، وغيرهم.

ولو حلفتُ باللهِ على أنّهم أسقطوا كلِّ من خالفهم، لما كنتُ حاثنًا، فجميعُ الدعاةِ والمشايخ ِ والعلماءِ، ممّن لم يدِنْ بدعوتهم، أو يسلكْ طريقهم، فإنّهُ من المبتدعةِ، ويجبُ هجرهُ وإسقاطهُ.

وإنّي أسأل هنا سؤالًا: هل يوجدُ على مرِّ تأريخ ِ الحركاتِ الإسلاميّةِ، أو سنواتِ المدِّ الإسلاميِّ، أن قامتْ مجموعة ٌ بتسفيهِ جميع ِ أهل ِ العلم ِ، والتنفير ِ منهم، وتحريم ِ الجلوس ِ إليهم، مثلَ ما فعلَ هؤلاءِ الجهلة ُ!، وإذا كانَ جميعُ الدعاةِ والهُداةِ والمُصلحينَ مُبتدعة ٌ، فمن يبقى إذًا يقودُ الأمّة َ!.

و المقصودُ أيّها الكريمُ أنَّ نشأة َ هذه الطائفةِ، بتلكَ الكيفيّةِ المذكورةِ، وفي ذلكَ الظرفِ الدقيق ِ، وتفرّقها وتشرذمها، دليلٌ على أنّها فرقة ٌ منحرفة ٌ، شاذّة ٌ، همّها الأوّلُ والأخير الطعنُ في دعاةِ الإسلام ِ، والتفريق ِ بينهم، ونشر ِ الحقدِ والضغينةِ، وإشاعةِ سوءِ الظنِّ، وفي المقابل ِ يحمونَ جنابَ الولاةِ، ويقفونَ في صفّهم، ويدينونَ لهم بولاءٍ تام ٍ، ويغضّونَ أبصارهم عن عيوبِ الولاةِ ومساوئهم، ويجرّمونَ كلَّ من وقفَ ضدَّ الولاةِ، أو نصحهم، أو حاولَ تغييرَ المجتمع ِ.

أصول مذهب الجامية وأبرز أفكارهم وتناقضاتهم

أمّا أصولهم التي بنوا عليها كلامهم، فنحنُ في غنىً عن معرفتِها، وذلكَ لأنَّ مقصدهم لم يكنْ مقصدًا شرعيًّا، بل كانوا حماة ً للدولةِ، ويقفونَ في وجهِ من تصدّى لها، أو نقدها، ولأجل ِ هذا الأمر ِ فقد اضطربوا اضطرابًا شديدًا، واختلقوا أصولًا جديدة ً، ومذهبًا لا يُعرفُ لهم فيهم سلفٌ البتّة ُ، وإنّما ألجأهم إليهِ حاجة ُ الدولةِ في تلكَ الفترةِ إلى وقفِ مدِّ الغضبِ المُتنامي ضدّها، عن طريق ِ إسقاطِ الرموز ِ، بكلِّ الوسائل ِ والسّبل ِ، المحرّمةِ والمشروعةِ.

إلا أنَّ هذا لا يمنعُ من ذكر ِ بعض ِ معالم ِ فكرهم الساقطِ، ومنهجهم المنحرفِ، ويتبيّنُ لكَ من خلالها عظيمَ مُخالفتهم للعلماءِ والأئمةِ:

خلطهم في مفهوم البدعة وتوسيعه ليشمل بعض ما اختلف فيه العلماء

فمن ذلكَ أنّهم يوسّعونَ دائرة َ البدعةِ، ودائرة َ التعامل ِ مع المبتدع ِ، فيُدخلونَ في البدع ِ ما ليسَ منها، أو يُلغونَ الخلافَ في بعض ِ المسائل ِ، ويُعاملونَ المبتدعَ مهما كانتْ حجمُ بدعتهُ، أشدَّ من معاملتهم للزاني، والمرابي، والمُغنّي، والسكّير والعربيد، ويرونَ أنَّ المبتدعَ مهما دقّتْ بدعتهُ وخفّتْ أعظمُ على الأمّةِ من أصحابِ المعاصي، مهما كبرَتْ تلكَ المعصيّة ُ وعظمتْ!.

والبدعة ُ عندهم ليستْ شيئًا منضبطًا، بل هي مُصطلحٌ ضبابيٌّ هُلاميٌّ، يوسعّونهُ متى ما شاءوا، ويضيّقونهُ متى ما شاءوا، والدليلُ على ذلكَ أنّهم أنكروا على الحدّاديةِ، مع أنَّ الحداديّة َ ساروا على نفس ِ منهجهم وطريقتهم، إلا أنّهم واصلوا الطريق َ، وأدخلوا في ذلكَ جميعَ المبتدعةِ، سواءً كانَ مبتدعًا خالصًا، أو مُتلبّسًا ببدعةٍ، وسواءً كانَ مُعاصرًا أو من الغابرينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت