وهكذا حتى وصل العهد للأفغان على ما بهم كحال معظم أهل الشرق، فهل يترك الجهاد وتعطل الحرمات تحت ادعاء أنها فتنة؟ ولا أجد في هؤلاء المرضى أصدق من قول ابن القيم في إعلام الموقعين 121/ 2 إذ يقول:"وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضيع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين، وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاث بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا بالدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل".
وننشد هؤلاء قول الشاعر أبي هلاله في الأفغان:
مضيت مجاهدا مع من
إذا احتدمت ولا عذل ... بني الأفغان لا نبل
عقيدتكم بها خلل ... وفينا من يقول لهم
مما ليس يحتمل ... معاذ الله هذا الإفك
ضحوا ومن بذلوا ... أيا أحبابنا الأفغان من
ونحن الثوم والبصل ... لأنتم في الحياة شذى
والتضليل والجدل ... ونحن الجبن والخذلان
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا ... ولعل مفهوم تعطيل الجهاد تحت أي عذر مصطنع قد كثر هذه الأيام، فيوم راية ويوم بدعة ويوم دنيا ويوم عدم وضوح الهدف ويوم عدم تمايز الصفوف، فكل جهاد عند هؤلاء معطل باطل، ولا أدري متى يقوم الجهاد الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، قال أحمد:"الأجر والمغنم"وهو دليل عى استمرار الجهاد إلى يوم القيامة، وأما أهداف هذه الحرب على أفغانستان فالمعلن منها أنها حرب على الإرهاب، والسر أنها حرب على الإسلام بدء بأفغانستان ونهاية ببلاد الحرمين كما بدأت مقالاتهم تصرح بذلك.
ففي الصنداي تلغراف 2001/ 9/23 كتب ستيفن سكورات مقالا بعنوان"المسألة كلها بدات من العربية السعودية"، وجاء فيه"وعليه فيجب أن نسأل أنفسنا ما الذي جعل هؤلاء الأفراد وحوشا؟ إن الكثير منهم سوف يجيبونك بكلمة واحدة، إنها الوهابية، إنها صنف متوتر من الإسلام، إنها حركة عنيفة، أنها قليلة الاحتمال شديدة التعصب، لقد ظهرت في العربية السعودية، كما أنها النظام الرسمي لدول الخليج، ثم إن الوهابية هي الاتجاه الأكثر تطرفا في الحركة الأصولية، إنها تطالب بالعقاب حتى الموت لممارسة السكر أو المحرمات الخبيثة، وتدين من لا يصلون بوصفهم كفارا"ثم قال:"إن العربية السعودية هي المسبب الوحيد الأكثر أهمية والداعم للراديكالية والعقائدية والتعصب الرئيسي في الإسلام".
وجا في النيويورك تايمز عدد يوم الجمعة 2001/ 10/19"إن المدارس السعودية هي التي صنعت الإرهاب من خلال بث الأفكار المتطرفة المعادية للغرب في عقول أبنائها، وإن كتب الدين الدراسية في المدارس السعودية تحتوي على تحذيرات للمسلمين من تكوين صداقات مع اليهود والمسيحيين لأنهم أعداء لهم".
وفي صحيفة شيكاغو تريبيون يوم الأربعاء 2001/ 10/3 مقال جاء فيه"أن الوهابية هي منبع الأصولية الإسلامية الحديثة، وأن السعودية اليوم هي مصدر الراديكالية الإسلامية، وما دامت أموال النفط هي التي تمول النفوذ الوهابي وتعمل على نشره فستبقى للأصولية الإسلامية قاعدتها المالية والسياسية".
وجاء على لسان جوزف بيدن - رئيس لجنة الشئون الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكي - يوم الأربعاء 2001/ 10/24 في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية قوله:"إنه يجب إبلاغ المملكة العربية السعودية بضرورة التوقف عن دعم المدارس الدينية التابعة لها، وإلا ستكون هناك عواقب وخمة لها ولغيرها .."، والحقيقة أن المشروع الأمريكي أكبر من أفغانستان، وإنما هي انطلاقة للقضاء على الإسلام في آسيا الوسطى الذي وجد أفغانستان ملاذا آمنا لحركاته، كما أني أنصح أولئك المثبطين الناطقين باسم الشيطان أن يستغفروا الله تعالى ويتوبوا إليه ويتداركوا ما فات من أعمارهم وأعمالهم وينصروا المسلمين، ولا يغردوا خارج السرب ولا يسبحوا على حجر ولا يطيروا في الرمال، ولهم أهدي قول مالك بن الريب:
ألم تر أني بعت الضلالة بالهدى
بني بأعلى الرقمتين وماليا ... فلله دري يوم أترك طائعا
ولا ضرنا كلام المثبطين المهزومين، فالمبشرات بعودة الدين وظهوره أكثر من أن تحصى والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[صحيفة الرأي العام الكويتية 15/ 11 / 2001]