د. أكرم حجازي
لأول مرة، منذ اغتصاب فلسطين سنة 1948، يدرك العرب والمسلمون والعالم بعض وقائع المظلمة التاريخية التي حلت بالفلسطينيين على يد اليهود والقوى الدولية. ولأول مرة يعيش هذا العالم بمختلف مكوناته القومية والعرقية حتى في زوايا الأرض جرائم ضد الإنسانية تجري وقائعها على الهواء مباشرة. ولأول مرة يعاين العالم إسرائيل كدولة ونظام فوق القانون وفوق المشاعر الإنسانية وفوق القيم والأخلاق وفوق كل روادع آدمية أو ربانية، ولأول مرة تصفع إسرائيل العالم على وجهه عنتا وغطرسة وازدراء بالحياة الإنسانية ومعاناة الشيوخ والنساء والأطفال والحجر والشجر وعشقا للقتل بصورة تفوق بشاعتها تلك الجرائم النازية إبان الحرب العالمية الثانية إن لم يكن أسوأ بمرات ومرات. ولأول مرة يشعر المواطن العربي والمسلم ويعاين بكل حواسه ومداركه العقلية والنفسية مدى الخذلان العربي والإسلامي الذي رافقه على امتداد عقود الصراع.
في هذه الحرب، وعلى مستوى الأمة الإسلامية، برزت تناقضات عجيبة ومشاهد مذهلة، بعضها منطقي أو يمكن تفهمه، لكن أكثرها، أقل ما يقال فيها، أنها فاضحة في ازدواجيتها إن لم تكن نفاقا مشهودا له بالجدارة. مشاهد وتناقضات أمرها سيان في الإعلام والسياسة .. بين العلماء وطلبة العلم .. بين المفكرين والكتاب .. بين ما يعلنه الحكام وما يسمحون به واقعا أو يفعلونه .. بين الجماعات السياسية والدينية .. بين الشامتين بالفلسطينيين والمناصرين لهم .. بين المغرضين والمتربصين .. بين هؤلاء وأولئك .. وحيث كان هؤلاء وكيفما كان ثمة غاية ومصلحة فيما يبوحون به من مواقف أو يقدمونه من رؤى، لكن ما من مرجعية واضحة وما من منهج محدد يمكن الركون إليه أو الاسترشاد به في النوازل الكبرى وحتى الصغرى منها.
هكذا، فإن أفضل ما في هذه الحرب أنها بدت كالشجر في خريف عاصف سقطت فيه كل الأوراق وبانت الحقائق صافية جلية لا تشوبها شائبة. وعليه فإن كل ما تبقى على القضية الفلسطينية فقط انتظار سقوط المطر مع اقتراب فصل الشتاء. وفيه إما خير عميم أو طوفان مدمر، وفي كلتا الحالتين سيتغير كل شيء. فلنتوقف قليلا لنعاين الحقائق المطمورة.
الخيار العربي
لم تكن الصواريخ التي تطلقها الحركات الفلسطينية على المستوطنات اليهودية المجاورة سببا في الهجوم على غزة، فهي بالكاد استعملت ذريعة إعلامية لتضليل الرأي العام الدولي على وجه الخصوص. ويعلم قادة اليهود وفي مقدمتهم الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس أن معاناة اليهود جراء إطلاق الصواريخ على امتداد السنوات الثماني السابقة للهجوم هي تبريرات أوهى من خيط العنكبوت. إذ أن قواته قتلت مئات الفلسطينيين وجرحت الآلاف منهم قبل أن تظهر القوة الصاروخية البسيطة بيد الحركات الفلسطينية. ولسنا نظن أن أحدا يحتاج إلى الكثير لنقض