الأطروحة الصهيونية التي يصلح تسويقها لرأي عام أغلبه مناصر لإسرائيل أو مضلَّل منذ عقود مع عدم إغفال درجة الانكشاف الخطيرة للدعاية الإسرائيلية جراء هذه الحرب الحاقدة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية والدينية. أما أن يسوقها بيريس ومتحدث جيشه على الضحايا فهذا مدعاة للسخافة والعجرفة وتحقيرا لدماء الضحايا.
ليست هي الصواريخ"العبثية"إذن. وكل ما في الأمر أن الأوان قد حان لوأد المقاومة الفلسطينية كرد طبيعي لجأ إليه الفلسطينيون لمواجهة اغتصاب أرضهم وإقامة إسرائيل عليها. هذا الخيار هو الذي أرادت إسرائيل وغيرها تصفيته ونزعه من العقل الفلسطيني والعربي بصورة نهائية. أما لماذا تفعل ذلك؟ فليست التحليلات هي من يمتلك الإجابة بقدر ما هي الوقائع والسياسات التي تفرض نفسها كاشفة النقاب عن صورة وضع عربي معجون بتناقضات عجيبة لا مثيل لها في العالم جعلت منه أشبه بالقطيع الهائم ليست له أية مرجعية تذكر ولا هدف ولا طموح، ولا يتمتع بأية مسؤولية تجاه مصيره وتجاه قضاياه المصيرية.
فعلى المستوى العربي انفرط العقد منذ حرب الخليج الثانية (1991) ، فالقادة انقسموا بين من يؤيد الحل الأجنبي العسكري ومن يؤيد الحل العربي السلمي للأزمة. وانقسم معهم العلماء والمثقفين والصحفيين، وظل العقد ينفرط إلى أن بلغ الشعوب التي بات بعضها يحقد على بعض. وصار لكل فريق حلفاؤه السياسيين وعلماؤه ومثقفيه وكتابه وجماهيره وشعوبه. في تلك الفترة من الزمن لم يعد ثمة محايد ولا متعقل ولا موضوعي ولا منصف ولا حكيم. فكل فريق يمتلك من هؤلاء ما يكفي لمقارعة الفريق الثاني والسخرية منه. فماذا كانت النهاية؟
لا شك أن العراق سقط مرتين وسقطت أفغانستان ودمرت الشيشان ونهبت الصومال وقسمت البوسنة وُجرَّ ما تبقى من فلسطين إلى أوسلو وعاش فريق التسويات أمجادا طالما حلم بها، وحطت القواعد الأمريكية والاستخبارية رحالها في كل بقعة عربية حتى لم تبق دولة آمنة ولا هي بمنأى عن الاحتلال المباشر أو غير المباشر. وكانت النتيجة أن دولا وقعت معاهدات دفاع مشترك مع القوى الغربية الغازية وأخرى وقعت معاهدات سلام مع إسرائيل وثالثة بحثت عن تسويات سياسية معها ورابعة تبرعت بتقديم المبادرات تباعا وأخرى أقامت علاقات دبلوماسية أو افتتحت ممثليات تجارية وثقافية وقنصلية ... إلخ وغدا من الطبيعي النظر إلى المقاومة كالنشاز في سمفونية حالمة أو كالحجر يُلقى في بركة راكدة فيعكر صفوها.
الأسوأ من هذا أن المقاومة نفسها، قبل وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو، غدت موضع تساؤل بين القوى الفلسطينية ذاتها إلى أن تحولت، حينا، إلى مجرد خيار لدى من يدافع عنها بل وعبء عليه في بعض الأحايين وعلى من يناهضها. وبهذه الكيفية بالذات وجدت القوى المناهضة للمقاومة، عربية كانت أو فلسطينية، أن الفرصة مواتية لإدانتها وضربها والتخلص منها وجرّ الشعب الفلسطيني إلى الأطروحة الغربية والصهيونية القاضية بالانحياز إلى التفاوض كخيار وحيد لتسوية ما تبقى عالقا من القضية الفلسطينية سيئة الذكر.
بعد قليل من انطلاق مؤتمر مدريد للسلام (1992) توصل مفاوضون فلسطينيون سرا إلى اتفاق إعلان مبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عاد بموجبه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى فلسطين، لكن المفاوضات تعثرت مرارا. وعلى مقربة من منتصف العام 1999 بدأت مفاوضات كسر عظم بين عرفات واليهود في منتجع كامب ديفيد، وألقى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بثقله فيها، وحاول الأمريكيون واليهود معا فرض حل يستثني القدس ويسمح بانسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية بما نسبته 45% من مساحتها الإجمالية، إلا أن عرفات الذي تعرض لتهديدات مباشرة بالقتل وإهانة شخصية بالغة من مدير وكالة المخابرات الأمريكية جورج