فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 69

وطنية .. قومية .. عائلية .. قبلية .. طائفية .. مذهبية .. عربية .. إسلامية .. هي باختصار خلاصة هجينة من خليط عجيب ليس له أية أصالة ولا يقوى على فعل شيء يذكر.

لا شك أن أطرف ما في هذا الخليط أننا نجد من يباهي بانتمائه الوطني والعربي ويفاخر بقبيلته ويدافع باستماتة عن طائفته وتجده، في ذات الوقت، يساري العقيدة وأمريكي الهوى وشيعي أو سني المذهب. ونجد من يكتفي بتوليفة واحدة أو يجمع بين اثنتين أو ثلاثة، ونجد من لا تجتمع به حتى توليفة واحدة فتجده فرحا حين يطلق على نفسه بأنه دهري، فيا لها من توليفات ويا لها من شخصية! لكن ألا ينطبق هذا الخليط على العلماء الشرعيين؟

الحقيقة أنه ينطبق عليهم قطعا. فهم جزء من التركيبة الاجتماعية والذهنية السائدة. وبصيغة من الصيغ، شئنا أو أبينا، لدينا علماء سلاطين لا يبدو أن الموضوع العقدي الأبرز في علمهم أكثر من الانتصار لولي الأمر (الجامية والمداخلة والصوفية والمرجئة بتيارها السلطاني ... ) ، أما علماء الجماعات والتيارات فموضوعهم العقدي هو الجماعة أو الحزب أو التنظيم (الجماعة الإسلامية في الباكستان والإخوان المسلمين وحزب التحرير والسروريين ... ) ، بينما علماء العلم همهم منصب على الفقه وتصدير علمهم في الكتب (السلفية العلمية أو التقليدية) ...

فيما عدا القسم الأول ممن انحاز إلى الحاكم وهو قليل؛ وفيما عدا القلة القليلة غير الخافية فإن الغالبية الساحقة من العلماء لم تظهر لها أية آثار في أعظم النوازل التي تحل في الأمة. وبالتأكيد لم تكن نازلة الحرب على غزة استثناء. ولا يعني أن الحراك بين شريحة العلماء منعدم سواء قبل الحرب أو بعدها. فقد ظهرت فتاوى"جريئة"من علماء لم نعهدها عليهم من قبل. لكن السؤال هو: هل الحراك المقصود طارئ؟ أم عقدي؟ ولمن يتوجه؟

أولا: حلقات الحراك

كانت تيارات السلفية الجهادية أول من بادرت في لفت الانتباه إلى وجود حراك بين العلماء. وبما أن مصر والسعودية هما من تصدرتا الحرب على المقاومة والتيارات الجهادية في العالم محليا وخارجيا فهما بالتأكيد ساحتا الحراك الرئيس الدائر على جبهة العلماء منذ فترة قصيرة من الزمن. وصار لزاما علينا ملاحظة أنه كلما كان ثمة حراك في السعودية فسيكون هناك حراك آخر في مصر بسبب تطابق السياسات من جهة وتطابق الإجراءات من جهة أخرى. إذ أن العلماء والمشايخ مستهدفون ابتداء من التضييق عليهم وانتهاء بالسجن. وعليه فالسؤال ليس عن مضمون الحراك فقط بل عن العلاقة بين الحراكين وخلفياتهما؟

لم يكن غريبا أن يكون الجهاد في أي من الساحات العربية والإسلامية يتيم الولادة والرعاية. فكما سبق وأشرنا إلى أن الجهاد والمقاومة لم يعودا موضع ترحيب منذ ما يقارب العقدين من الزمان؛ ينبغي التأكيد على أن التدخل العربي والإسلامي في الساحات الجهادية لم ينزع الشرعية عن أية راية جهادية فحسب بل وركز على محاربة تيارات الجهاد العالمي حتى قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 ثم ما لبثت أن اتسعت الحرب لتشمل ما تبقى من حركات مقاومة عملا بالأطروحة الأمريكية الداعية إلى مكافحة الإرهاب العالمي.

ولا ريب أن هذه الحرب نجحت في تحقيق اختراقات استهدفت عزل التيارات الجهادية التي تقوم عقيدتها أصلا على محاربة ما تعتبره طواغيت العرب والعجم كي يتسنى إلحاق الضرر بها بسهولة. وعلاوة على الخيار الأمني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت