فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 69

فقد استعملت ضد هذه التيارات أساليب متنوعة كأسلوب"المراجعات"الذي استهدف الجماعات والعلماء على السواء كما حصل، مثلا، مع الجماعة الإسلامية في مصر أو الشيخ سيد إمام. أو عبر التمييز بين عقائد الجماعات وضربها ببعض كما حصل في العراق. أما على مستوى تنظيم القاعدة فقد نشطت محاولات اختراق عبر التمييز بين الرموز القيادية من جهة (رقة بن لادن - قسوة الظواهري) أو بين المسيطرين على التنظيم (المصريين - الليبيين) من جهة أخرى، وثمة محاولات اختراق سياسية ذات طابع وطني تجري منذ عام لفك الارتباط بين القاعدة وطالبان، ومحاولات أخرى تمثلت باحتضان جماعات ونبذ أخرى.

لكن جوهر الحرب على الجماعات الجهادية في مختلف دول العالم استهدف، بالدرجة الأساس، حرمانها من العلماء عبر استبعاد الخطباء وطلبة العلم"المتمردين"من ساحات الجهاد والدعوة والمساجد، كما استهدفت بشدة التضييق على العلماء وتهديدهم أو الزج بمئات منهم في السجون لمجرد تبنيهم خط الجهاد بل وقتلهم مثلما حصل في مذبحة المسجد الأحمر في الباكستان. وذات الأمر حصل في دول أوروبية خاصة في بريطانيا حيث استهدفت، بالسجن أو الإبعاد، شخصيات بارزة محسوبة على التيار الجهادي مثل د. هاني السباعي والداعيين أبي قتادة وعمر بكري وغيرهم.

هذا الوضع من المطاردات والملاحقات والتضييق وكتم الأنفاس أحدث بلا شك فراغا يتوجب ملؤه. فكان من الطبيعي أن تدفع الدول بتياراتها المناهضة للجهاد إلى السطح وتقديم خطاب ديني قوامه إما ربط الجهاد بولي الأمر ربطا محكما بحيث يُرمى، بموجب ذلك، كل مخالف بتهمة"الخارجي"أو"الضال"، وإما بتنفيس الاحتقان عبر علماء أو دعاة سلفيين ذوو توجهات وطنية، أو بتبعيض الدين عبر اقتصار الخطاب الديني على الدعوة والمناصحة والحوار والتسامح بعيدا عن الجهاد وثقافته. وليس غريبا أن يتسبب الميل إلى المصالحة والمهادنة بظهور الكثير من الفتاوى المنحرفة والمشاريع المشبوهة واللقاءات العفوية مع قادة اليهود على شاكلة لقاء مفتي الأزهر سيد طنطاوي أو حتى توجيه دعوات لهم لحضور ما يسمى بحوار الأديان.

ولا شك أن المسائل الخلافية الكبرى كحوار الأديان أو تكفير المبتدع قد تسببت بظهور تباينات شديدة بين العلماء. لكن على جرأة الكثير منهم؛ ظل علماء السعودية أشد عرضة للضغوط من تلك التي يتعرض لها علماء مصر في ضوء المعارضة الشديدة جدا لنظام الحكم سواء لجهة التوريث أو لجهة السياسات التي عبر عنها البعض بـ"الخائنة"لمصالح الأمة والإسلام والمسلمين أو لجهة توصيف النظام السياسي نفسه بـ"العصابة". وعليه فإذا ما ضاقت الخطوب والمحن على علماء الجزيرة فلماذا لا يتحرك علماء مصر إذا كان ثمة هامش من الحرية يسمح لهم بالتقدم خطوة للأمام؟

في هذه الأجواء يمكن ملاحظة أهمية الشريط الذي أصدرته مؤسسة السحاب للظواهري بعنوان:"الأزهر عرين الأسود - 28/ 11/2008". فالشريط في تسميته لم يصدر بمناسبة يمكن أن تزيل بعض الغموض الذي غلف خفاياه. لكن المعروف تاريخيا عن الأزهر أنه ظل مؤسسة مستقلة مهيبة الجانب من قبل الدولة إلى أن تم اختراقه في الصميم بدء من النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين. والمعروف أيضا أن لعلماء الأزهر جرأة وشجاعة في الصدع بالحق وتخريج علماء ذوي نزعة ثورية. لكن منذ تولي جاد الحق على جاد الحق مشيخة الأزهر وتعيين سيد طنطاوي خلفا له بخلاف ما درجت عليه العادة من انتخاب داخلي لشيخ الأزهر تراجعت المؤسسة إلى حد خطير وغير مسبوق في تاريخه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت