فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 69

وفي ذات الأجواء كانت مؤسسة رديفة هي جبهة علماء الأزهر تتقدم بخطى ثابتة محاولة استعادة دور الأزهر في نسخته الثورية فأصدرت عشرات الفتاوى بالغة الجرأة. لكن أشدها غرابة تلك الفتوى (29/ 12/2008) التي تناولت قضية مقتل ضابط الأمن المصري على معبر رفح ثاني أيام الحرب على غزة. وبالتأكيد ليست الحادثة هي التي تسببت باستحضار شريط"عرين الأسود"إلى الذاكرة بل محتوى الفتوى الأزهرية غير المسبوق. فالفتوى وُجهت للضابط"القتيل"ووصفته بـ"البائس"و"الظالم"والمطيع"لأوامر فاجرة وتعليمات جائرة"و"رخيص الدم"والقتيل في"غاية رخيصة"والذي"ضاعت في الضلال حياتك"و"ذهبت حياتك في غير شرف"و"قتلت قتل الصائل"فـ"لا عن عروبة كنت مدافعا ولا لدين كنت عاملا"..."فإذا بك تسقط فيما سقط فيه ساسة الحزب الذين حادوا الله ورسوله، فاستجاروا بأعدائهم من أوليائهم وإخوانهم".

كل هذه التوصيفات في الفتوى ما كانت لتلفت الانتباه لولا أنها وقعت في نطاق العبارة المثيرة التي ابتدأت بها الفتوى. فالضابط ذهب"في حظ سايكس - بيكو وطاعة غير الله"، وقتل وهو في حالة"الدفاع عن حدود وضع خطوطها الكافرون، الذين قسَّموا أرضنا بما عرف بالمجرمين سايكس بيكو، لينفردوا بنا واحدا بعد الآخر"بينما"أرضنا في دين الله واحدة".

لا شك أن ما ورد في الفتوى يترتب عليه قطعا حكما شرعيا، لكن الأهم أن رائحة الخطاب الجهادي العالمي خيم على الفتوى حكما ورؤية وفكرا حيث لا شرعية لسايكس - بيكو ولا لثقافتها. وغني عن البيان أنه سيكون على مصدري الفتوى أن يتقاطعوا مع الأطروحة الجهادية عن سابق إصرار وإلا ما كانت لتصدر باسم جبهة علماء الأزهر. فهل هي صدفة؟ أم هي حقيقة عبرت عنها خطابات الظواهري المتكررة عن الأزهر وعلمائه دون أن يتنبه إليها أحد؟ أم أن علماء الأزهر لم يعودوا يطيقون"زندقة"الطنطاوي وأمثاله خاصة بعد لقائه الحميم مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس مقابل سوقية لغته في الرد على منتقديه وخصومه؟

في ذات اليوم الذي صدرت فيه فتوى الجبهة، وعلى غير انتظار أو مناسبة إلا من رأس السنة الهجرية ويومين على حرب غزة، وجهت جماعة أنصار الإسلام في العراق رسالة إلى علماء الأمة. لكن الرسالة صدرت موقعة باسم أمير الجماعة بعنوان:"من أبي عبدالله الشافعي إلى السادات علماء الأمة الأفاضل".

أما الفتوى فتحاول توصيف واقع الأمة وتغول الأعداء عليها وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مع الإشارة إلى أن المراحل القادمة ستكون أشد وطأة على الأمة مما سبق. لذا وجب الانتباه إلى عجز القيادات السياسية الموجودة ولا شرعيتها وابتعادها عن التوحيد. إذ أن:

"انحراف مناهج ومواقف الأحزاب السياسية والدعوية المنتشرة في مجتمع أهل السنة عن منهج الحق، وقصور إدراك قياداتهم، وقلة تجربتهم، وضعف الوعي الإستراتيجي عندهم، وغيابهم عن ساحة تصور مستقبل الأحداث"،

وهذا الوضع:

"أدى إلى سقوط تلك القيادات أدوات في دوائر صناعة القرار السياسي للطواغيت وبسط السيطرة عليهم منهجيًا، وعقديًا، وحشدهم مرتزقة لتقوية واقع ضياع أمة الإسلام، وتغييب هدف إعادة إحيائها، وتجذير حال التقسيم والتجزئة الذي تعاني منه الأمة اليوم".

وتأسيسا على ما سبق يقترح الشافعي على العلماء التقدم لقيادة الأمة. فـ:"الشرع يوجب عليكم أيها السادات":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت