فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 69

مثل هذا الإعلام له مؤسسات تنشط في الاستقطاب وشراء الذمم وحتى الإسقاط بأية وسيلة كانت. والمهم في هذا التيار أنه ذو أجندة واضحة لا لبس فيها ولا خشية منها. لكن ماذا عن الإعلام الموصوف بالوطني؟ أو المستقل؟

لعلها المرة الأولى التي تتوحد فيها عشرين قناة فضائية عربية انتصارا لغزة ضد العدوان الإسرائيلي الوحشي عليها. وهي بلا شك لم تتوحد في أية قضية سابقة، لكنها هذه المرة، ودون مقدمات، نقلت وقائع الحرب على الهواء وعلى مدار الدقيقة، واستضافت المئات من المحللين والمشايخ والعلماء والمفكرين والعسكريين والحقوقيين وغيرهم كي يقدموا مختلف وقائع الحرب وقراءة تطوراتها. هذه الفضائيات نجحت في تجنيد الرأي العام العربي والعالمي وفضحت أبشع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، وقدمتها بصورتها الحقيقية.

عشرون قناة فضائية استطاعت إحراج قادة إسرائيل ومتحدثيها العسكريين، وكشفت عن حجم التواطؤ العربي الخطير في التحضير للهجوم على غزة والمضي قدما في تعطيل أي تحرك سياسي عربي. بل أن صحفييها كانوا في مقابلاتهم من البراعة ما يحسدوا عليه وهم يصفون الحدث في أدق تفاصيله وفي مختلف مستوياته. فلما كانوا يستضيفون معلقا أو محللا أو مفكرا، سواء كان عربيا أو إسرائيليا أو غربيا، كانوا يعصرونه عصرا وهم ينهالون عليه في الأسئلة ويعاملونه كالمتهم الذي عليه أن يفرغ كل ما في جيوبه قبل أن يغادر كرسي الاعتراف، فإما أن يقر بالحقيقة وإما أن يخرج مدانا.

الحقيقة أنهم أبدعوا في قراءة السطور وما بين السطور وفوق السطور وتحت السطور وفي قلب السطور وماضي السطور ومستقبل السطور ولم يتركوا جملة أو كلمة أو نقطة أو فاصلة إلا وأخضعوها للاستنطاق! وكم كانت لحظات ممتعة، على شدة المأساة والمشاهد المرعبة، ونحن نتابع هذا الأداء المميز الذي لم نعهده من قبل.

حتى المشايخ والعلماء قدموا عروضا في النصرة والتحريض على الجهاد وبيان وسائله وشروطه وآلياته بحيث لم يكونوا أقل دهاء في الحشد من الإعلاميين أنفسهم. وبعضهم أدان زملاءه على مواقفهم المخذلة وفتاواهم المنحرفة وعلاقاتهم المشبوهة، ووصلت بعض الأطروحات إلى إدانة الحكام وشتمهم وحتى تكفيرهم سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشر.

تُرى! أين كان هذا الإعلام من قضايا الأمة الأخرى؟ أم أن فلسطين هي القضية الوحيدة للأمة؟ ولماذا ظهر هذا الكم الهائل من المشايخ والبيانات حين تَعلَّق الأمر بفلسطين بينما اختفى في ساحات أخرى وكأن النصرة تجب، شرعا، وفقط على فلسطين ولا تجب على غيرها من المسلمين؟

لا شك أن الصورة لم تختلف قبل غزة وخلالها أو بعدها. فطوال عقود العدوان المستمر على الأمة لم تغب عن النظر مشاهد الأوصال المقطعة والأجساد المتفحمة والأطفال الممزقة أشلاءهم والبيوت المهدمة .. وما زالت القنوات الفضائية ذاتها تنقل أخبار الغارات الأمريكية والأطلسية والإسرائيلية على المساجد والمنازل والمدارس والأعراس في أفغانستان والعراق وهي تودي بأرواح المئات، وذات الجرائم ترتكب في الصومال، أما الشيشان فما من أحد إلا وشاهد القوات الروسية وهي تحيل منازل العاصمة غروزني إلى أطلال من الدمار على رأس ساكنيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت