هذه هي الصورة المستمرة. فلماذا لم يكن الإعلام العربي منصفا وبارعا إلا في تشويه المجاهدين في هذه البلدان؟ ولماذا لا ينتصر الإعلام لدماء الأفغان والشيشان والصومال والعراق؟ ولماذا لا يرى في هذه الساحات إلا المفاوضات والسلام والأمن والاستقرار والتنمية ولا يرى فيها الغارات الجوية والدمار والإبادة الجماعية والتعذيب والتنكيل والاغتصاب والدماء والتضحيات؟ وإذا كانت النصرة لفلسطين واجب شرعي فلماذا التمييز بين دماء ودماء بحيث يكون دم المسلم وماله وعرضه في موضع حرام وفي آخر حلال؟ ولماذا لا يجري تحميل الاحتلال في أفغانستان أو العراق أو الشيشان والصومال مسؤولية الدماء ذاتها التي تتحملها إسرائيل في فلسطين؟ وبأية معايير يكون هذا الإعلام محايدا في نصرته لغزة بينما هو منحاز في مناطق أخرى لفئة على حساب أخرى رغم أن هوية العدوان والمعتدين واحدة سواء كانت أميركية أو إسرائيلية أو أثيوبية أو روسية وحتى هندية وباكستانية؟ باختصار: هل يمكن الثقة بالإعلام الوطني أو المستقل؟
هذه القراءة ومثل هذه المشاهد الإعلامية وجملة التساؤلات هي التي استفزت التيار الجهادي العالمي ومناصريه، وهي التي تشعرهم، على الدوام، بأنهم"غرباء"في ساحات الإعلام مثلما هم كذلك في ساحات القتال. فما من أحد يناصرهم أو ينصفهم أو حتى يقول كلمة محايدة بحقهم. وعلى العكس من ذلك فكل ما يتلقونه إدانة وتهم وتشويه ومحاربة من شتى الاتجاهات السياسية والعلمية والإعلامية. هؤلاء يستذكرون بمرارة ما يرونه، كمثال، اتهامات ظالمة وجهت إليهم خلال سنين الحرب في العراق عبر إلصاق التفجيرات العشوائية بهم خاصة بعد أن صرح الشيخ حارث الضاري بأن القاعدة بريئة منها، ويستذكرون، كمثال آخر، تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي وهو يدعو قادة القاعدة إلى الخروج من سراديبهم وهم في حالة حرب بينما ينجو قادة حماس من مثل هذه الدعوات.
لا ريب أن وقائع الحرب الظالمة على غزة رسخت في عقول الجهاديين ووجدانهم ما يرونه حربا ظالمة ضدهم، وأدوارا مريرة للإعلام العربي خاصة وهو يتعامل مع قضايا الأمة بازدواجية صارخة لا تقل عن مرارة الوطنيين لما كانوا يتلقون صفعات الفيتو الأمريكي والغربي في المحافل الدولية كلما تعلق الأمر بالقضايا العربية والإسلامية، ولا عن الاتهامات التي تعرضت لها حماس ممن حملوها مسؤولية الحرب على غزة وبرؤوا الاحتلال من جرائمه.
لكنهم (الجهاديون) في قرارة أنفسهم يدركون أن هذا الإعلام لا يمكن أن ينصفهم ليس لأنه ذو معايير مزدوجة أو أجندات سياسية فحسب بل لأن الراية التي يلوحون بها والمنهج الذي يعتقدونه لم يعودا يتيحان لهم سوى مساحة إعلامية مشوهة، في أحسن الأحوال، إن لم تكن عدائية ذات مواصفات أمريكية.
ويستمر سقوط الأوراق ...