الحقيقة أن الحدث مثّل صدمة للأوساط الأمنية السعودية، التي بدأت بإعداد قوائم جديدة لعشرات المطلوبين، خاصة أنها نجحت، إلى حد كبير، في تفكيك الجيل الأول من القاعدة واحتواء الكثير من رجالات الجهاد الأفغاني سابقا، لكن كما يقول والد الشهري فإن ابنه أقسم ألا يعود إلى سابق عهده ومع ذلك لا يدري كيف عاد. وهنا لنا أن نتساءل: كم عدد الذين أقسموا؟ وكم عدد الذين يمكن أن يثبتوا على قسمهم؟ وكم عدد الذين"انتكسوا"؟ لا أحد يعرف، ومن الذي انتكس: الشهري؟ أم برامج الحملة؟. فرغم خضوعه لحملة"السكينة"إلا أن الشهري لم يسكن، مثل زميله الذي لم يسكن لا في غوانتانامو ولا في إيران ولا في السعودية! بل تجول في الأعراس والمناسبات العامة وكأنه يرصد ويتفقد معارفه حتى إذا ما أعد عدته اختفى؛ فإذا به يظهر في شريط"الاندماج"متسببا بعاصفة من ردود الفعل. فهل المشكلة في"انتكاسة"الشهري؟ أم في حدث"الاندماج"؟ هل هي في إعادة بناء التنظيم كما يرى بعض المراقبين؟ أم في كونه العنوان الجديد؟
ليس هناك، على صعيد القاعدة، حدث وقع بالصدفة. فمنذ العام 2006 ظهرت بوادر نشاط حثيث لقاعدة اليمن ما لبث أن تصاعد تباعا حتى بات يشكل أرقا للساسة اليمنيين وحتى للرئيس علي عبد الله صالح نفسه الذي أفرغ كل ما في جعبته من تصريحات منددة بالقاعدة وأفعالها التي تسببت برفع تكاليف الأمن وأعبائه في البلاد دون جدوى. فالمألوف، منذ ظهورها المبكر، أن القاعدة في اليمن تميزت في قدرتها على التحرك والدقة في ضرب أهداف متنوعة ابتداء من المدمرة كول مرورا بناقلات النفط ومصافيه وانتهاء بالسفارات الأجنبية والأمريكية منها على الخصوص فضلا عن التخطيط لهروب جماعي نفذه، بصمت وبراعة، قرابة العشرين عضوا من أعضائها في السجون اليمنية. فإذا ما صنفت هذه النشاطات، بنظر الدوائر الأمنية، نجاحا للقاعدة فهي في المقابل ستعني فشلا أمنيا للدولة.
هذه المقاربة، على أهميتها في بيئتها، يمكن أن تشكل خطورة بالغة إذا ما استعملت في قراءة حدث الاندماج بين جناحي القاعدة. وبحسب المقاربة ستبدو اليمن كما لو أنها القاعدة الأشد أمانا وتحصينا من السعودية لاسيما وأن جغرافيا البلاد الوعرة والكثافة السكانية والفوضى العمرانية فضلا عن مرارة التجارب السابقة وما وفرته من خبرات مكتسبة ستجعل من ملاحقة القاعدة أو حصارها أو التضييق عليها في أحد أوتاد الأرض مهمة بالغة الصعوبة بخلاف ما بدت عليه كلقمة سائغة في السعودية حيث خيارات التخفي محدودة في المساحات المكشوفة وذات العمران المنظم والكثافة السكانية الأقل.
كل التحليلات التي رأت في الشريط مجرد إعادة بناء للتنظيم في الجزيرة تبدو واهية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذه العوامل. ولعل المسألة أبعد ما تكون عن اندماج بين جناحين أحدهما لم يعد موجودا بالفعل بعد مقتل قادته وأبرز مكوناته البشرية أو اعتقالهم، فعن أي اندماج يجري الحديث خاصة وأن الجناح السعودي بالكاد ينسب تشكيله لاثنين من العائدين بالأمس من غوانتانامو؟! وإن لم يكن اندماجا فماذا يكون؟
على فرض صحة التحليل ما نعتقد فلا شك أنه خيار استراتيجي في الصميم جوهره أن تكون اليمن هي مركز الثقل والقرار والعمل في الجزيرة العربية وليس مجرد الاندماج. والأرجح أن مثل هذا القرار لم يكن وليد الشريط الحدث بقدر ما هو، قطعا، وليد القاعدة الأم مثلما هو، على الخصوص، وليد مخططات قديمة قادها أبو مصعب الزرقاوي وكشفت عنها قيادات لاحقة في القاعدة بما أن العراق يحتل الساحة الأخطر ويتصدر قيادة العمل الجهادي على المستوى العالمي.