ومن جهة أخرى هي حزمة، قابلة للتطور، من التقنيات والوسائل الكفيلة بإنتاج جندي محترف يمارس مهنته بفخر واعتزاز كما يمارسها أي مهني آخر في المجتمع المدني.
بهذا المعنى فالجيش الإسرائيلي هو جيش محترف وذو عقيدة قتالية يمارس، بواسطتها، مهمة بقاء الدولة على قيد الحياة، هذه هي مهمته. فالعدو بالنسبة له واضح لا لبس فيه، والأهداف واضحة لا غبار عليها، لكن هل العدو والأهداف واضحة بالنسبة للجيوش العربية؟ أو للجماعات الثورية؟ أو حتى للأمة وقواها؟
مشكلة الجيوش العربية أنها تأسست في دول الغنيمة، وبطبيعة الحال فالسلطة بالنسبة للحاكم لن تكون سوى غنيمة أيضا. وهذا يجعل من الجيوش العربية، مهما تسلحت، مجرد ملاحق للمنظومة الأمنية التي لا يهمها العدو الخارجي بقدر ما يبدو لها العدو الداخلي أكثر وضوحا وأولى بالمراقبة. إذ أن مهمتها هي الحفاظ على النظام وليس على الدولة. ولأنها لم تكن في يوم ما جزء من منظومة دفاعية كونها ليست معدة لهذا الغرض أصلا ولا هي قادرة عليه، فهي ليست جيوشا محترفة. لذا من السهل أن نلحظ سقوط أية دولة عربية في مواجهة عدو خارجي مهما كان حجم قواتها أو قدراتها البشرية والمادية.
لا ريب أن الخوف والحذر كانا من أبرز إفرازات هكذا دول في تشكيل شخصية المواطن الذي غدا، في المستوى الأمني، يحسب حسابا للشرطي ورجل الأمن ومراقب السير أكثر مما يحسبه للجندي. بل أن الجيش، رغم أن له نفس الوظيفة، إلا أنه أكثر القوى المحلية اضطهادا وتدجينا. وفي بعض الدول العربية يبدو الجندي أقرب إلى التسول، ولسنا ندري كيف لجندي لا يزيد راتبه عن مائة دولار أن يدافع عن كرامة أمة وهو مطعون بكرامته! وفي دول عربية يجري التعامل مع الجنود وكأنهم حيوانات تساق إلى مهامها بقسوة وتحقير من قبل الشرطة العسكرية التي تتصرف معهم كقوات مكافحة شغب في دولة فاشية.
على امتداد عقود أثبتت الوقائع السياسية والحربية أن الجيوش العربية ليس لها عدو، فلقد تقاتلت فيما بينها بالتحالف مع الأمريكيين والأوروبيين الذين دمروا الأمة وزرعوا إسرائيل في قلبها، ومن المنطقي أن تكون إسرائيل ومن يرعاها ويدعمها هم العدو المصيري للأمة. لكن الأحداث بينت العكس تماما، فقد يكون زعيما عربيا كصدام حسين، في لحظة ما، عدوا لأغلب العرب واليهود والأمريكيين والغرب في آن واحد. وبعيدا عن الموقف من صدام حسين فإن معاداته والتحريض على قتاله ونزع سلاحه وتدميره كان أيسر على الكثير من العرب من معاداة إسرائيل وقتالها. ومنذ ذلك الحين ثبت لكل مراقب أن النظام العربي، بشقيه الغربي والشرقي، ليس له عدو أصلا، ولم تكن حرب الخليج الثانية إلا مناسبة للإعلان عن صيغة جديدة لعلاقة التحالف التاريخية بين العرب من جهة والأمريكيين من جهة أخرى، وصيغة جديدة لواقع عربي يخطب ود اليهود ويسعى بأي ثمن للتحالف أو التطبيع أو التوصل إلى تسوية معهم.