فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 69

فالحقيقة أن إسرائيل لم تكن سوى عدو ظرفي أو إعلامي لهدف سياسي يراد تحقيقه، وفي ساحات المعارك كان الجيش هو الأشد عرضة للتآمر السياسي عليه حتى من قبل النظام بما في ذلك رأس الدولة. يروي الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيوش المصرية خلال حرب تشرين 1973 أنه فزع من قرار الرئيس السادات نقل لواء من غرب القناة إلى شرق القناة. ورغم أنه حاول إقناعه، باستماتة، أن قرارا من هذا النوع سيشكل خطرا شديدا على مصير القوات بالنظر لصعوبة حمايتها في منطقة ضيقة الانتشار إلا أن الرئيس أصر على قراره. أما الشاذلي فقد نفذ القرار وهو يعلم أن النتيجة كانت إبادة لآلاف الجنود ووقوع آلاف آخرين في الأسر. ولا شك أن السادات كان يعلم بمثل هذه النتيجة! لكنها المؤامرة التي تكررت في غير مناسبة ومكان.

على مستوى الحركة الوطنية العربية ظلت المشكلة كما هي بلا حل. بل أن التراجع هو الذي ميز مواقفها كونها تأسست، منذ انطلاقاتها الأولى، على خلفية أيديولوجيات وافدة أو مستوردة ليس لها أية علاقة بالواقع العربي والإسلامي. فكيف يمكن توقع بناء عقيدة قتالية مستمدة من أيديولوجيات أجنبية لأمة غالبيتها الساحقة تدين بالإسلام وليست أمة وثنية بحيث تتقبل عقائد وضعية تعمل بموجبها كدليل تسترشد به؟ وكيف يمكن توقع بناء عقيدة قتالية من رحم حركة وطنية، هي كالدول والأنظمة، تشتغل بموجب محركات سايكس بيكو؟

حتى منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن لتقبل بالإسلام كمصدر في عقيدتها، بل أن أحد مؤسسيها من كبار الأدباء أصر على رفض إدخال كلمة الإسلام إلى ميثاقها. ولما سيطرت عليها المنظمات الفدائية سنة 1968 لم تعدل شيء في الميثاق. ومنذ ولادتها تخلت هذه المنظمات، وأولها حركة فتح، عن الحركات الجماهيرية واحتمت بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل ولم يعد لها أية عقيدة قتالية تذكر. وطوال حياتها ظلت الحركة الوطنية الفلسطينية، بشقيها الوطني والإسلامي، تستنجد، عبثا، بالجيوش العربية وبالأمة العربية وكذا الإسلامية وبالأمم المتحدة والشرعية الدولية والوسطاء كلما تعرضت والشعب الفلسطيني للفتك العسكري على يد إسرائيل أو السياسي على يد الفيتو الأمريكي والأوروبي. وكلما اشتدت الهجمة والحصار كلما طغت مصطلحات كالمرحلية والسلطة الوطنية والدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي سنة 1967 والشرعية الدولة والمؤتمر الدولي للسلام وغيرها من المصطلحات على الخطاب السياسي للمنظمة. ولم يعد أحد يدري لأية أهداف يقاتل: هل لتحرير"فلسطين المغتصبة"أم"فلسطين المحتلة"أم بمقتضى"التهدئة مقابل فك الحصار وفتح المعابر"؟

والطريف أن الانفصام في الموقف الفلسطيني ما زال قائما حتى بعد الحرب على غزة. فالعسكريون يحاربون، غالبا، بموجب الحق التاريخي فيما يحارب السياسيون بموجب"عدالة القضية"و"الحقوق الثابتة"! بل أن بعضهم يحارب بموجب"الوحدة الوطنية"!

هذه الوضعية انعكست على مجمل الأمة وكافة مكوناتها الرسمية والشعبية بصورة مواقف بالغة التناقض والتنافر، وأبعد ما تكون عن أية عقلانية ناهيك عن شرعيتها الدينية. فالبعض يتحدث عن السلام والبعض عن الحرب والبعض عن التسوية والبعض لا يدري عن فلسطين إن كانت محتلة أو مغتصبة والبعض لا يدري كم هي عدد الدول العربية وآخرون يشفقون على اليهود في المحرقة النازية ولا يشفقون على قضاياهم أو حالهم، ومثقفون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت