بكرة أبيهم دون الشعور بذرة أسى أو رحمة عليهم. وكأنه ما من سبيل لمواجهة استعلائهم المضطرد وطغيانهم المتنامي وارتكابهم للفظاعات وتحويلهم الحياة الإنسانية إلى جحيم إلا بتعريضهم للمجازر أو عزلهم عن الاجتماع الإنساني كحل وحيد.
كل التاريخ الدموي لهم سببه الظاهري عقلية الاستعلاء والجيتو التي تميزهم. لكن المسألة أعمق من ذلك إذا ما ولجنا في البنية الإدراكية والذهنية لليهود. ففي عصرنا الراهن تراهم متوحشون رأسماليا .. متطرفون فكريا .. ماكرون سياسيا .. نافذون اقتصاديا وتجاريا .. لا تجاريهم أمة على وجه الأرض في الكذب والفتن والدهاء وافتعال الحروب وسفك الدماء ومخالفة الفطرة الإنسانية، بل تراهم قد جروا غيرهم إلى معتقداتهم، وأسبغوا عليهم قيمهم حتى باتوا شرا مستطيرا هم ومن شايعهم وحالفهم. ذلك هو تاريخهم وحاضرهم الذي طالما أخرج الناس من معتقداتهم وأفقرهم وجردهم من كل قيمة إنسانية وأخلاقية.
هذا التاريخ أثبت أيضا أنهم لا ينتصحون ولا يتعظون، ولا يستشعرون حتى الخطر الذي يمكن أن يتعرضوا له جراء علاقاتهم الوحشية مع البشر في أية بقعة على وجه الأرض، فهم أبعد ما يكونوا عن الاعتقاد بأن سلوكهم قد يجلب عليهم الويلات، لكن المفارقة العجيبة في كون المذابح التي تعرضوا لها عبر التاريخ كانت تتزامن، في العادة، وهم في حال من قوة وتمكين وليس في ضعف وهوان .. في قمة مجدهم وغطرستهم .. في قمة وحشيتهم. والمفارقة الأعجب تلك التناقضات التي تجتمع في شخصياتهم، فهم مضطهدون وظلمة ... استعلائيون وأذلاء .. قتلة وضحايا .. أغنياء وبؤساء .. انعزاليون وحاضرون في كل مكان .. وحشيون ومتباكون .. حمقى وماكرون ...
والثابت أن اليهود لم يخبروا الجوار الحضاري ولا حتى الاجتماعي، وعليه فمن المستحيل التعايش معهم حتى لو كانوا جزء من أية تركيبة اجتماعية أو جغرافية. إذ أن مسلكياتهم وأنماط تفكيرهم ومعيشتهم وعقلياتهم ظلت حبيسة الحصون التي تطورت نحو الأسوأ عبر الجيتو. فهم لا يستطيعون الاندماج ولا العيش إلا فيه كنموذج يلائم عقليتهم. وحتى في فلسطين فإن دولتهم ليست بأكثر من جيتو في محيط عربي وإسلامي. فكيف ستكون نهايتهم هذه المرة؟
ثمة رؤى متضاربة حول تفسير الإفسادين الواردين في سورة الإسراء. فالبعض يرى أنهم اليوم في حالة الإفساد الثاني باعتبار الأول وقع على يد نبوخذ نصر فيما عرف بالسبي البابلي. لكن رأي آخر يفسر الآية التي تقول: (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد) بأن العباد المقصودين هم بالضرورة مؤمنين، بل وفي قمة الإيمان، وأن صفة البأس ملازمة لهم وليس للكافرين أو المشركين أو الوثنيين. كما أن التاريخ لم يثبت أن اليهود بلغوا من القوة والعلو مثلما هم عليه الآن. على كل حال، فإن كان هذا هو إفسادهم الأول كما نعتقد، فأغلب الظن أن نهايتهم ستكون وحشية بحيث يشارفوا على الانقراض من هول ما سيتعرضون له، وأن البشرية سترتاح من شرورهم ردحا من الزمن قبل أن يتناسلوا ويعودوا مجددا. وإن كان هذا هو إفسادهم الثاني فعلينا أن