وأما ردُّ الحقوقِ والمظالِمِ فتمثلُ الآثارَ الاجتماعية للتوبة. فليس بتائبٍ حقيقةً من لم يتُبْ عن حُقوقِ المسلمين؛ ولا تصحُّ للظالم توبةٌ وللمُتعدِّي على حقوقِ المسلمين!
ورَحِمَ الله القرطبي حيث قال:"قال علماؤنا: الاستغفارُ المطلوبُ هو الذي يحلُّ عُقَدَ الإصرارِ ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته؛ فاستغفارُه ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرتُه لاحقةٌ بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارُنا يحتاج إلى استغفار! قلتُ: هذا يقولُه في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مُكِباًًّ على الظلم حريصًا عليه لا يُقلِعُ والسبحة في يده زاعمًا أنه يستغفر الله من ذنبه! وذلك استهزاء منه واستخفاف، وفي التنزيل (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) ". [1]
قال القرطبي رحمه الله في بيانِ الذنوبِ التي يُتاب منها تمييزًا لِحقِّ لله تعالى عن حقِّ غيرِه"وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها؛ فإن لم يوجدوا تصدق عنهم". [2]
فالتائبُ المستغفرُ المنيبُ إلى ربِّه الخائفُ من ذنبِه أبعدُ الناس عن الوقوعِ في أموالِ الناس وأعراضِهم وحقوقِهم والإساءة إليهم؛ لِمُراقَبتِه نفسَه وتوقِّيه من معاصي الله والوقوع في سخطه؛ وتلك ثمرةٌ اجتماعيةٌ للاستغفار وعلامةٌ صادقةُ على التوبة النصوح المباركة.
ويكفي من بركة الاستغفار وآثاره الاجتماعية الطيِّبة أنْ نستحضرَ أنَّ الاستغفارَ سببٌ للتواضعِ لله ولِعبادِه؛ فلا يتكبرُ المذنبُ المستغفرُ ولا يحتقرُ غيرَه بل يوقِّره، ولا يتطاول عليه بل يخفض له جناحَه! فيا سعادةَ المستغفِرين المتواضِعين! ويا شقاءَ المتكبرين الغافلين الذين يفعل الواحد منهم حسنة"فلا يزالُ يَمُُنُّ بها على ربِّهِ ويتكبَّرُ بها، ويرى نفسَهُ ويُعجَبُ بها ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ وفعلتُ؛ فيُورِثُهُ من العُجْبِ والكِبْرِ والفخر والاستطالة؛ ما يكون سببَ هلاكِهِ؛ فإذا أراد اللهُ تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يكسرُهُ بهِ ويُذِلُّ به عُنُقَهُ ويُصغِّرُ به نفسَه عنده"! [3]
(1) - الجامع لأحكام القرآن 4/ 210 - 211.
(2) - الجامع لأحكام القرآن 4/ 212.
(3) - الوابل الصيِّب لابن القيم ص 13.