فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 420

فالله هو الذي اجتباه، وهو الذي اصطفاه، وتلك نعمة من أعظم النعم تدفع حلاوتها كل سوء جاء به ابتلاء، وقد رُوي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال عندما أصابه الهم المقيم المقعد: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي [1] .. وهكذا أولياء الله ومن قبلهم رسله لسان حالهم مع ربهم قول القائل:

فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

حيث إن يعقوب _عليه السلام_ لما قص عليه ابنه يوسف _عليه السلام_ هذه الرؤيا العظيمة وعرف أبوه تأويلها وما قد يلاقيه ابنه من شدة ومحن وبلاء ما كان منه إلا أن يوصيه، ويقول له:"قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (يوسف:5) ، لا تكن سببًا في جلب الكيد إلى نفسك، فعندما تقص هذه الرؤيا على إخوانك، وهي رؤيا عظيمة، وقد يفقهون تأويلها كما فقهها أبوهم فيأتي الحسد فيجر عليك وعليهم مايجر.

وهذا يشير إلى أن من رأى رؤيا صالحة أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يقصها إلا على من يحب خوفًا من نشوء الحسد بسبب هذه النعمة وهذه الرؤيا، وكل صاحب نعمة محسود، فلم يكن من يعقوب _عليه السلام_ إلا أن يدله على سبب، لعله يكون فيه نجاته، وكما قال فيما بعد لإخوانه:"وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ" (يوسف: من الآية 67) أي: أن يعقوب عندما يقول لابنه هنا"لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ"، ويقول لأبنائه فيما بعد:"لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ"هو لا يمنع وقوع القدر"وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء" (يوسف: من الآية 67) ، ولكنه يأخذ بالسبب الشرعي الذي قد يكون سببًا لنجاة ابنه هنا وأبنائه هناك.

ومن أمثلة الأخذ بالأسباب أن يوسف _عليه السلام_ لما راودته امرأة العزيز وأصرت في مراودتها وهمت به وهي تملك السلطة والقوة أخذ بالسبب، بل أخذ بعدة أسباب

(1) - حديث حسن سيمر بطوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت