فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 420

الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» . [1]

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاء، وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْس بَيْت الْمَقْدِس، لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون قَبْره مَشْهُورًا عِنْدهمْ فَيَفْتَتِن بِهِ النَّاس وَفِي هَذَا اِسْتِحْبَاب الدَّفْن فِي الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة وَالْمَوَاطِن الْمُبَارَكَة، وَالْقُرْب مِنْ مَدَافِن الصَّالِحِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمَازِرِيّ: وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض الْمَلَاحِدَة هَذَا الْحَدِيث، وَأَنْكَرَ تَصَوُّره، قَالُوا كَيْف يَجُوزُ عَلَى مُوسَى فَقْء عَيْن مَلَك الْمَوْت؟ قَالَ: وَأَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدهَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ اللَّه تَعَالَى لَهُ فِي هَذِهِ اللَّطْمَة، وَيَكُون ذَلِكَ اِمْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَلُ فِي خَلْقه مَا شَاءَ، وَيَمْتَحِنُهُمْ بِمَا أَرَادَ. وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا عَلَى الْمَجَاز، وَالْمُرَاد أَنَّ مُوسَى نَاظَرَهُ وَحَاجَّهُ فَغَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، وَيُقَالُ: فَقَأَ فُلَان عَيْن فُلَان إِذَا غَالَبَهُ بِالْحُجَّةِ، وَيُقَالُ: عَوَرْت الشَّيْء إِذَا أَدْخَلْت فِيهِ نَقْصًا قَالَ: وَفِي هَذَا ضَعْفٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَرَدَّ اللَّه عَيْنه"فَإِنْ قِيلَ: أَرَادَ رَدّ حُجَّته كَانَ بَعِيدًا. وَالثَّالِث أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَك مِنْ عِنْد اللَّه، وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ قَصَدَهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَدَافَعَهُ عَنْهَا، فَأَدَّتْ الْمُدَافَعَةُ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ، لَا أَنَّهُ قَصَدَهَا بِالْفَقْءِ، وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَة (صَكَّهُ) ، وَهَذَا جَوَاب الْإِمَام أَبِي بَكْر بْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فَقْء عَيْنه، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ اِعْتَرَفَ مُوسَى حِين جَاءَهُ ثَانِيًا بِأَنَّهُ مَلَك الْمَوْت، فَالْجَوَاب أَنَّهُ أَتَاهُ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة بِعَلَامَةٍ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ مَلَك الْمَوْت، فَاسْتَسْلَمَ بِخِلَافِ الْمَرَّة الْأُولَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [2]

(1) - صحيح مسلم (6297) = صك: ضرب

(2) - شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 103) وفتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 162)

موسى وملك الموت ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 5 / ص 31) وفتاوى الشيخ ابن جبرين - (ج 63 / ص 177) و فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 204) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 2 / ص 661) ومجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 2252)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت