فمَن هُدِيَ إلى الاستغفارِ؛ فقد فُتِحَ له بابُ رضوانِ العزيزِ الغفار، ويا فوزَ المستغفِرين الموفَّقِين الأخيارِ الذين يُحاسِبُون أنفُسَهم ويعترفون بذنوبِهم؛ ذلك أنَّ"مُطالعةَ عَيبِِ النفسِِ والعملِ تُوجِِب له الذلََّ والانكسارَ والافتقارَ والتوبةَ في كلِّ وَقتٍ؛ وأن لا يرى نفسَه إلا مُفلِسًا، وأقربُ بابٍ دخلَ منه العبدُ على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسِهِ حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلَّق به ولا وَسِيلةً منه يَمُنُّ بها! بل يدخلُ على اللهِ تعالى مِن بابِ الافتقارِ الصِّرفِ والإفلاسِ المحضِ دُخُولَ مَن قد كَسَرَ الفَقرُ والمسكنةُ قلبَه؛ حتى وَصَلتْ تلك الكَسْرةُ إلى سُوَيْدائه؛ فانْصَدعَ وشَمَلَتْهُ الكسرةُ مِن كلِّ كلِّ جهاتِهِ، وشَهِدَ ضَرورتَه إلى ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وكمالَ فاقتِهِ وفَقرِهِ إليه، وأنَّ في كلِّ ذَرَّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهرة والباطنة فاقةً تامّةً، وضرورةً كاملةً إلى ربِّهِ تبارك وتعالى، وأنه إنْ تَخلَّى عنه طرفةَ عينٍ هَلَكَ وخَسِرَ خَسارةً لا تُجبَرُ؛ إلا أنْ يعودَ الله تعالى عليه ويَتَدارَكَه بِرَحمتِهِ؛ ولا طريقَ إلى الله تعالى أقْربَ مِن العُبوديّة، ولا حِجابَ أغْلظَ مِن الدعوى!" [1]
6 -الآثار الاجتماعية للاستغفار:
ولو استحضرنا شروطَ التوبة التي اتفق أهلُ العلم على عَدمِ قبولِ التوبة إلا بتوفُّرِها؛ لألْفَينا الآثارَ الاجتماعية ظاهرةً فيها.
فقد قال النووي رحمه الله:"قال العلماء: التوبةُ واجبةٌ من كلِّ ذنب: فإن كانت المعصية بين العبدِ وبين الله تعالى لا تتعلقُ بحقِّ آدميٍّ فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فُقِد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍّ فشروطُها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوَه، وإن كان غيبة استحله منها". [2]
فالإقلاعُ عن المعصية في الحاضر، والندمُ على فِعلِها في الماضي، والعَزمُ على عَدمِ العودةِ إليها في المستقبَل تُمثِّلُ ثِمارا إيمانيةً ونفسيةً للتوبة النصوح والاستغفار الصادق،
(1) - الوابل الصيِّب ص 14 - 15.
(2) - رياض الصالحين للنووي ص 46 - 47. المكتب الإسلامي بيروت.