فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 420

2 -الاستغفار توحيد وتمجيد:

لَما كان الدعاءُ قائمًا على توحيدِ الله عزَّ وجلَّ وإظهارِ الذُّل والافتقارِ إلى الله؛ فقد نادى أيوب عليه السلام: (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [الأنبياء 83] و"جمع في هذا الدعاءِ بين حقيقةِ التوحيدِ وإظهارِ الفَقرِ والفاقةِ إلى ربِّه ووُجودِ طعمِ المحبةِ في التملُّقِ له، والإقرارِ له بصفةِ الرحمةِ وأنه أرحَمُ الراحمين، والتوسُّلِ إليه بصفاتِه سبحانه وشدةِ حاجتِه هو وفَقرِه. ومتى وجد المبتلى هذا كُشِفَت عنه بلواه، وقد جرب أنه من قالها سبعَ مرات ولاسيما مع هذه المعرفة كشفَ الله ضُرَّه". [1]

ولله دَرُّ ابنِ القيم رحمه الله؛ حيث قال:"التوحِيدُ مَفزَعُ أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فيُنجِيهم من كُرَبِ الدنيا وشدائدها، {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (65) سورة العنكبوت. وأما أولياؤه فينجيهم من كُربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزعَ إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات، وفزع إليه أتباعُ الرُّسلِ فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعدَّ لهم في الآخرة. ولما فزعَ إليه فرعون عند مُعاينة الهلاك وإدراك الغرق لم ينفعه؛ لأنَّ الإيمان عند المعايَنة لا يقبل، هذه سُنةُ الله في عِباده؛ فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاءُ الكربِ بالتوحيد، ودعوةُ ذي النون التي ما دعا بها مَكرُوبٌ إلا فرَّجَ الله كربَه بالتوحيد؛ فلا يُلقي في الكَرْبِ العِظام إلا الشِّرك، ولا يُنْجِي منها إلا التوحيد؛ فهو مَفزَعُ الْخَلِيقة ومَلجؤها وحِصْنُها وغِياثها". [2]

إنَّ دُعاءَ الله تعالى أعظمُ تَعْبِيرٍ عن الاستِعانةِ بالله عزَّ وجَلَّ ورَجائه والخوفِ منه؛ فهو (سميعُ الدعاء) [آل عمران 38] يُجِيب دَعوةَ الداعي إذا دَعاه (تَضَرُّعًا وخُفْيةً) [الأنعام 63] و (خَوفًا وطَمَعًا) . [الأعراف 56] وقد عبَّرَ الطيِّبي عن هذا المعنى أحْسَنَ تَعْبيِرٍ عند قولِ الله تعالى: (ادْعُوني اسْتَجِبْ لكم) فقال رحمه اللهُ:"الدُّعاءُ هو إظهارُ غايةِ التذلُّلِ والافتقارِ إلى الله والاستكانةِ إليه؛ وما شُرِعتْ العباداتُ إلا للخُضوعِ للباري وإظهارِ الافتقارِ إليه؛ ولهذا خَتَمَ الآيةَ بقوله تعالى: (إنّ الذين يستكبرون عن"

(1) - الفوائد لابن القيم ص 222 - 223.

(2) - الفوائد لابن القيم ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت