فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 420

الناسُ إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم فاخْشَوْهُمْ فزادَهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، [آل عمران 173.] وقوله تعالى (( ولما رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وَعَدَنا اللهُ ورسولُه وصدقَ اللهُ ورسولُه وما زادَهم إلا إيمانا وتسليما ) ) [الأحزاب 22. .] ". [1] "

فالاستغفارُ يشتملُ على إظهارِ الرجاءِ في الله عز وجلَّ وحُسنِ الظنّ به جل جلاله؛ وهذه المعاني ظاهرةٌ في أذكار الاستغفار، كما روى الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِى شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» . [2] .

قال ابن القيِّم رحمه الله:"إذا أراد الله بعبدِه خيرًا فتحَ له من أبوابِ التوبة والندمِ والانكسارِ والذُّلِّ والافتقار والاستعانة وبه وصدقِ اللجوء إليه، ودوامِ التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات؛ ما تكون تلك السيئة به سبب رحمتِهِ؛ حتى يقول عدوُّ الله: ليتني تركتُهُ ولم أُوقِعْهُ! وهذا معنى قولِ بعضِ السلفِ: إنَّ العبدَ ليعمل الذنبَ يدخل به الجنّة! ويعمل الحسنة يدخل بها النار! قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب؛ فلا يزال نصبَ عينيهِ خائفًا منه مُشفِقًا وَجِلًا باكيًا نادمًا مُستَحِيًا من ربِّهِ تعالى ناكسَ الرأسِ بين يديه منكسِرَ القلب له؛ فيكون ذلك الذنبُ أنفعَ له من طاعاتٍ كثيرةٍ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادةُ العبد وفلاحُهُ؛ حتى يكون ذلك الذنبُ سببَ دخولِهِ الجنة! ويفعل الحسنةَ؛ فلا يزالُ يمُنُّ بها على ربِّهِ ويتكبَّرُ بها، ويرى نفسَهُ ويُعجَبُ بها ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ وفعلتُ؛ فيُورِثُهُ من العُجْبِ والكِبْرِ والفخر والاستطالة؛ ما يكون سببَ هلاكِهِ؛ فإذا أراد اللهُ تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يكسرُهُ بهِ ويُذِلُّ به عُنُقَهُ ويُصغِّرُ به نفسَه عنده! وإذا أراد به غيرَ ذلك؛ خلاه وعُجبَهُ وكِبْرَهُ؛ وهذا هو الخذلانُ المُوجِبُ لهلاكِهِ"! [3]

(1) - صحيح البخاري 1/ 11.

(2) - سنن الترمذى (3885) حسن لغيره

عنان: السحاب = القُراب: قراب الأرض أى بما يقارب ملأها

(3) - الوابل الصيِّب لابن القيم ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت