للاستغفارِ آثارٌ عقديَّةٌ وثمارٌ إيمانيةٌ جليلةٌ: منها: إنابة العبدِ إلى ربِّهِ، واعترافه بذنبه وإقراره بـ (أن له ربًّا يغفر الذنوب) ، وتربية الخشوع والخضوع في نفس المسلم، وتلذُّذِه بالتذلُّل بين يدي ربِّه كما قال نبي الله صالح عليه السلام: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود 61) .
قال السعدي رحمه الله:"أي: فَاسْتَغْفِرُوهُ مِمَّن دعاه دُعاءَ مسألة أو دُعاءَ عِبادةٍ يجيبه بإعطائه سُؤالَه وقبولِ عِبادتِه وإثابتِه عليها أجلَّ الثواب. واعلَمْ أنَّ قُربَه تعالى نوعان: عامٌّ وخاصٌّ، فالقُربُ العام: قُربُه بِعِلمِه من جميعِ الخلق، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق 16) 0 والقربُ الخاصُّ: قُربُه من عابدِيه وسائليه ومُحِبِّيه، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق 19) 0 وفي هذه الآية وفي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة 186) . وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى وإجابته لدعواتهم وتحقيقه لمراداتهم؛ ولهذا يقرن باسمه القريب اسمه المجيب". [1]
وأعظم ما يُصاب به العبدُ حين يقترفُ الذنبَ ولا يستغفر الله عزَّ وجل نقصانُ إيمانه، فقد أجمعَ أهلُ السنةِ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ بالطاعاتِ وينقُصُ بالمعاصي. حتى ترجمَ البخاري رحمه الله في كتاب (الإيمان) ترجمتَه الوافية:"هو قولٌ وفعلٌ ويزيد وينقص، قال الله تعالى: (لِيَزْدادُوا إيمانًا مع إيمانِهم) ، [الفتح 4.] (( إنهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزدناهم هدى) . [الكهف 13] . (ويَزيدُ اللهُ الذين اهْتَدَوْا هُدًى) ، [مريم 76.] (والذين اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم) ، [محمد 17.] (ويزدادَ الذين آمَنُوا إيمانا) ، [المدثر 31.] وقوله: (( وإذا ما أُنزِلَتْ سورةٌ فمِنهم مَن يقول أيُّكم زادَتْه هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) )، [التوبة 124.] وقوله جلَّ ذِكْرُه: (الذين قال لهم"
(1) - تفسير السعدي 1/ 384 - 385.