ومنها: أن تقييد التسبيح بكونه بالعشى والإِشراق. وبكونه مع داود، يدل على أنه تسبيح بلسان المقال، إذ التسبيح بلسان الحال موجود منها في كل وقت، ولا يختص بكونه في هذين الوقتين أو مع داود.
وخص - سبحانه - وقتي العشي والإِشراق بالذكر. للإِشارة إلى مزيد شرفهما، وسمو درجة العبادة فيهما. [1]
8 -قال القرطبى في تفسيره: فإن قيل: لِم فزع داود وهو نبيّ، وقد قويت نفسه بالنبوّة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذِية ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى} [طه: 45] فقال الله عز وجل: «لاَ تَخَافا» . وقالت الرسل للوط: {لاَ تَخَفْ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ} [هود: 81] . [2]
ألا ترى إلى موسى وهارون - عليهما السلام - كيف قالا: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى} - أى: فرعون -، فقال الله لهما: {لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى} ثم بين - سبحانه - ما قاله أولئك الخصوم لداود عندما شاهدوا عليه أمارات الوجل والفزع، فقال: {قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط} .
9 -أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب، قصة حقيقية، وأن الخصومة كانت بين اثنين من الناس في شأن غنم لهما، وأنهما حين دخلا عليه بتلك الطريقة الغريبة التى حكاها القرآن الكريم، فزع منهما داود - عليه السلام - وظن أنهما يريدان الاعتداء عليه، وأن الله - تعالى - يريد امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث.
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3608)
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4770)