فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 420

تَاوِيلِ) مَا قُمْتُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ اسْتَنْكَرْتَهَا أَنْتَ، وَاسْتَغْرَبْتَهَا، وَلَمْ تَسْتَطِعْ صَبْرًا عَلَيْهَا.

وَبَدَأَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِشَرْحِ الأَسْبَابِ التِي حَمَلَتْهُ عَلَى خَرْقِ السَّفِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قَامَ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ لِيُحْدِثَ فِيهَا عَيْبًا، لأَنَّهُمْ كَانُوا سَيَمُرُّونَ فِي طَرِيقِهِمْ عَلَى مَلِكٍ ظَالِمٍ، يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ حَسَنَةِ المَنْظَرِ، غَصْبًا، وَإِحْدَاثِ العَيْبِ فِي السَّفِينَةِ يُنْقِذُهَا مِنْ شَرِّ هَذَا المَلِكِ الظَّالِمِ، وَالسَّفِينَةُ يَمْلِكُهَا جَمَاعَةٌ مَسَاكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيءٌ غَيْرَهَا يَرْتَزِقُونَ مِنْهُ.

أَمَّا الغُلاَمُ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّهُ فِيمَا قَدَّرَ اللهُ، قَدْ طُبِعَ عَلَى الكُفْرِ، وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ صَالِحَيْنِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُمَا لابْنِهِمَا عَلَى مُتَابَعَتِهِ عَلَى كُفْرِهِ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ هَلاَكُهُمَا.

فَأَرَادَ أَنْ يُبْدِلَهُمَا اللهُ بِهِ وَلَدًا أَزْكَى مِنْهُ نَفْسًا (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً) ، وَأَكْثَرَ بِرًّا بِوَالِدَيْهِ.

أَمَّا الجِدَارُ الَّذِي أَقَامَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، وَدَعَّمَهُ دُونَ أَجْرٍ، فَقَدْ كَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي القَرْيَةِ، وَكَانَ أَبُوهُمَا رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ تَحْتَ الجِدَارِ المَائِلِ لِلانْهِدَامِ، كَنْزٌ مَدْفُونٌ لاَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا انْهَارَ الجِدَارُ، وَهُمَا صَغِيرَانِ، فَقَدْ يَضِيعُ الكَنْزُ، وَلاَ يَنْتَفِعَانِ بِهِ، لِذَلِكَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الجِدَارَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الكَنْزِ الَّذِي تَحْتَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ الغُلاَمَانِ أَشُدَّهُمَا، وَيَسْتَطِيعَا اسْتِخْرَاجَهُ وَالانْتِفَاعَ بِهِ

وَأَضَافَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَائِلًا: إِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الحَالاَتِ الثَّلاَثِ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَبِوَالِدَي الغُلاَمِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَباِليَتِمَينِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِ اللهِ وَوَحْيِهِ.

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ تَفْسِيرٌ لَلأَفْعَالِ التِي لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى الصَّبْرَ عَلَيْهَا

القصة هذه من بدايتها إلى نهايتها نبع ثرٌّ من المعاني التربوية القرآنية الرائعة. في كل كلمة منحى بديع ولفتة راقية. فهلم إليها من بدايتها [1] :

(1) - تأملات تربوية في قصة موسى والرجل الصالح = د. عثمان قدري مكانسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت