مَدْيَنَ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ عََلَى القَوْمِ وَعَلَى القَرْيَةِ، وَمَدْيَنُ قَرْيَةٌ تَقَعُ فِي جَنُوبِيِّ الأَرْدُنِّ قُرْبَ العَقَبَةِ، وَهُمْ أَيْضًا أَصْحَابُ الأَيْكَةِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ، وَيَرْتَكِبُونَ المَعَاصِي، وَأَظْهَرَهَا بَخْسُ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَالتَّعَرُّضِ لِعَابِرِي السَّبِيلِ، لِسَلْبِهِمْ وَالاعْتِدَاءِ عَلَيهِمْ.
وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ شُعَيبًا عَلَيْهِ السَّلًامُ، لِيَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالإِقْلاَعِ عَنْ تَطْفِيفِ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلسَّابِلَةِ بِالإِخَافَةِ وَالسَّلْبِ. . فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلهٌ غَيْرُهُ، وَقَدْ أَقَامَ لَكُمُ الحُجَجَ وَالبَرَاهِينَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ، ثُمَّ نَصَحَهُمْ بِمُعَامَلَةِ النَّاسِ بِالعَدْلِ، وَبِإِيفَاءِ النَّاسِ، حُقُوقَهُمْ فِي الكَيْلِ وَالمِيزَانِ، وَبِأَلاَّ يَخُونُوا النَّاسَ، وَلاَ يُخْسِرُوا المِيزَانَ، وَلاَ يَبْخَسُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ (أَشْيَاءَهُمْ) ، وَأَنْ يَتْرُكُوا إِخَافَةَ السَّابِلَةِ.
وَقَالَ لَهُمْ إنَّ اتِّبَاعَ أَمْرِ اللهِ فِيهِ الخَيْرُ لَهُمْ، إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِوحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَبِمَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ.
وَنَهَاهُمْ شُعَيبٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ (الصِّرَاطِ) ، وَعَنْ تَوَعُّدِ النَّاسِ بِالقَتْلِ وَالإِيذَاءِ إَذَا لَمْ يُعْطُوهُمْ مَا مَعَهُمْ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنِ التَّعَدِّي عَلَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيبًا، وَعَنِ التَّصَدِّي لِلنَّاسِ الذِينَ كَانُوا يَاتُونَ إلى شُعَيبٍ لِلاسْتِمَاعِ مِنْهُ إلى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، لِصَرْفِهِمْ عَنْهُ بِالتَّخْوِيفِ وَالإِيذَاءِ، وَبِالقَوْلِ: عَنْهُ كَذَّابٌ يُرِيدُ فِتْنَةَ النَّاسِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبلًا مِنْ قِلَّةٍ فَكَثَّرَهُمُ اللهُ، وَذِلَّةٍ فَأَعَزَّهُمُ اللهُ، وَذلِكَ لِيَتَّعِظُوا وَيَرْتَدِعُوا عَمَّا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ فَسَادٍ. ثُمَّ لَفَتَ نَظَرَهُمْ إلَى النِّهَايَةِ التِي صَارَ إِلَيْهَا المُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مِنْ خِزْيٍّ وَدَمَارٍ.
وَيُتَابِعُ شُعَيْبٌ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، نُصْحَ قَوْمِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ إِنِ اخْتَلَفْتُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَآمَنَ فَرِيقٌ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَدَعَوْتُكُمْ إِلَيهِ، وَكَفَرَ فَرِيقٌ بِمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ رَبِّي، فَلا تَتَعَجَّلُوا الحُكْمَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَانْتَظِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَيَفْصِلَ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَيْرُ مَنْ يُحْكُمُ، وَأَعْدَلُ مَنْ يَقْضِي، وَلا شَكَّ فِي أَنَّهُ سَيَجْعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَسَيَجْعَلَ الدَّمَارَ عَلَى الكَافِرِينَ، لأنَّهُ سُنَّتَهُ تَعَالَى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ، فَلْيَعْتَبِرِ الكَافِرُونَ بِعَاقِبَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ.