وثَمُودُ قُومُ صَالحٍ (وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الحِجْرَ قُربَ وَادي القُرَى) أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعًا بالصِّيْحَةِ، وبزَلزَلَةِ الأَرْضِ بِهِمْ، لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ التي أَخْرَجَهَا اللهُ لَهُم، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ.
وَكَانَتِ العَرَبُ تَعرِفُ مَسَاكِنَ قَومِ عَادٍ، وَقَومِ ثَمُودَ، وَتَمُرُّ بِها في تَرْحَالِها، وَتَرى آثَارَ الدَّمَارِ والهَلاَكِ الذي نَزَلَ بِهَا وبأَهلها. وَكَانَ سَبَبُ إِهْلاكِهِمْ هُوَ مَا زَيَّنهُ لَهُم الشَّيْطَانُ مِنْ أعمالٍ سَيِّئةٍ، وَعِبَادَةٍ غيرِ اللهِ تَعَالى، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلى الإِدِراكِ والاستبْصَارِ، والتَّميِيز بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، وَلِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ في الغَفْلَةِ، وَعَدَمِ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ.
واذْكُر لِهؤلاءِ المُغْتَرِّينَ بأَمْوالِهِمْ مِنْ قُريشٍ كَيفَ أَهْلَكَ اللهُ قَارُونَ صَاحِبَ الأموالِ الكثيرةِ، إِذْ خَسَفَ بهِ وبِدَارِهِ وكُنُوزِهِ الأَرْضَ، كَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ وَوَزِيرَهُ هَامَانَ، فَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بالحُحَجِ والبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلى صِدْقِ رِسَالتِهِ، فاسْتَكْبَرُوا في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ، وأََبَوا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وأَنْ يُؤمِنُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا فَائِتينَ الله، وَلاَ نَاجِينَ مِنْ عِقَابِهِ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَليهِمْ في كُلِّ حِينٍ، وَهُوَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ.
وَقَدْ أَرسَلَ اللهُ تَعَالى عَلَى كُلِّ فِئَةٍ لونًا مِنْ ألوانِ العَذَابِ يَتَنَاسَبُ مَعَ عُتَوِّهِمْ وَجَرَائِمِِهِمْ:
-فَقَومُ عَادٍ كَانُوا يَقُولُونَ: (مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً) ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ، رِيحًا شَدِيدَةَ البُرُودَةِ (صَرْصَرًا) ، بَالِغَةَ العُنفِ والعُتُوِّ (عَاتِيَةً) ، تَحْمِلُ الحَصْبَاءَ، وَترِمِيهِمْ بِها، فَأَهْلَكَنْهُمْ جَمِيعًا.
-وقَومُ ثَمودَ كَذَّبُوا رَسُولَهُم صَالِحًا، وَتَهَدَّدُوهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ صَيْحَةً أًَخْمَدَتْ أَنفَاسَهُمْ، وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَدًا.
-وَقَارُونُ طًغَى وَبَغَى وعَصَى اللهَ، وَمَشَى في الأَرْضِ، مَرَحًا فَخَسَفَ اللهُ بهِ وبِدَارِهِ الأَرضَ، وأَهلَكَهُ وكُنُوزَهُ.
-وَفِرْعَوْنُ وهَامَانُ وقَومُهُما مِنَ القِبطِ أَغرَقَهُمُ اللهُ في صَبيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكانَتْ هذهِ العَقُوبَةُ جَزَاءً عَلَى مَا اجتَرَحُوهُ مِنَ الإِجْرامِ، ولمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ فيما فَعَلَ بِهِمْ، ولَكِنَّهُمْ هُمُ الذينَ كَانُوا يَظْلِمُونَ أَنَفُسَهُمْ بِالكُفْرِ، والبَطَرِ والعُتُوِّ والطُّغيَانِ، فَأَوْصَلُوها إِلى العَذَابِ والبَلاَءِ الذي حَلَّ بِها.