فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 420

العَرض ليس عَقدًا، بل ـ على اسمه ـ مجرَّد عرض، يليه البحث والتحري والاستخارة والاستشارة، ثم رؤية المخطوبة حين العزم على النكاح.

{إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ} ، إنّ في تخييره بين ابنتيه إشارةً أخرى بأنه لا بأس بتزويج البنت الأصغر سنًا قبل من تكبرها في العمر، إذ ربما كان باب الكبرى مستورًا ببابِ الصغرى، والله كتب الأرزاق كما كتب الآجال.

ثم يُختم سياق القصة بكريم سجايا الرجل الصالح وحسن دَلِّه، حيث قال: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص:27] }، لن أطلب منك رَهَقًا ولن أكلفك شَطَطًا. فهل يعي هذا أولياء أمور النساء حين تصل بهم محبة المشقة على الزوج درجة كبيرة من حيث شعروا أو لم يشعروا؟! حتى إنك لتجد كثيرًا من الأزواج يلبث بعد زواجه سنين عددًا يدفع أقساطًا تثقل كاهله وتشغل خاطره، وهذا يؤثر ولا بد على راحته النفسية، ومن ثم على استقراره الأسري، والأب يريد لابنته أن تعيش السعادة مع زوجها، فيضرّها من حيث أراد نفعها.

إن من الضروري حين تقرير المهر أن يراعى في ذلك الواقع المعيشي الذي يعيشه الزوج ويعيشه المجتمع، وأن تراعى تكاليف الحياة ومتطلباتها، فالأحوال تغيرت عن ذي قبل، وما كان بالأمس مقبولًا قد يكون اليوم غير مقبول ولا معقول.

إن على عقلاء الناس أن يراعوا ذلك، وأن يكونوا قدوة لغيرهم في تيسير أمور الزواج وخفض تكاليفه، و «مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ» [1] .

ويتمّ موسى أكمل الأجلين، وتلك سجية الكرام، فهو لا يرضى لنفسه أن يقفَ عند أدنى المراتب وهو يستطيع أن يصل إلى أكملها، لم يكن ليحسب كما قد يحسب غيره: كم سيأخذ عليها من أجر لو كان يتقاضى راتبًا؟! وكم ستكلفه من جهد ووقت يذهب دون عائد أو مقابل؟! لم يكن في حسابه شيء من ذلك.

ثم يسير موسى بأهله بعد انقضاء الأجل، ليرى من آيات ربه الكبرى، وليصارع بعد ذلك دولة الباطل وجنود البغي والعدوان، في عرض قرآني وسرد قصصي يفيض

(1) - صحيح مسلم (2398)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت