فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 420

قِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ مَوْجُودًا فِي مَجْمَعِ البَحْرِينِ، عِنْدَهُ عِلْمٌ لَمْ تُحِطْ بِهِ أَنْتَ، فَأَحَبَّ مُوسَى الرَّحِيلَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ. فَقَالَ لِفَتَاهُ (وَقِيلَ إِنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِنَّي سَأَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وَأَلْتَقِي بِالرَّجُلِ، وَلَوْ سِرْتُ أَمَدًا طَوِيلًا.

وَكَانَ قِيلَ لِمُوسَى أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ حُوتًا مُمَلَّحًا، وَفِي المَكَانِ الَّذِي يَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِي بِذَلِكَ الرَّجُلِ العَالِمِ. فَسَارَ مَعَ فَتَاهُ حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَسَقَطَ الحُوتُ فِي المَاءِ، فَأَخَذَ يَسْبَحُ فِيهِ، وَكَانَ يَشُقُّهُ شَقًّا، وَيَتْرُكُ وَرَاءَهُ مِثْلَ السَّرَبِ (النَّفَقِ) .

فَلَمَّا جَاوَزَا المَكَانَ الَّذِي أَضَاعَا فِيهِ الحُوتَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: هَاتِ الغَدَاءَ، فَقَدْ أَتْعَبَنَا المَسِيرُ.

فَقَالَ الفَتَى لِمُوسَى: لَقَدْ نَسِيتُ الحُوتَ حِينَمَا جَلَسْنَا نَرْتَاحُ إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ (إِذْ أَوَيْنا الصَّخْرَة) ، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لَكَ لأَنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَانِيهِ، فَاتَّخَذَ الحُوتُ طَرِيقَهُ فِي البَحْرِ بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ غَيْرِ مَالُوفَةٍ، لأَنَّهُ حُوتٌ مَيِّتٌ، وَكَانَ يَشُقُّ المَاءَ، وَهُوَ يَسْبَحُ، فَيَكُونُ المَاءُ فَوْقَهُ كَالنَّفَقِ، أَوِ الشَّقِّ فِي الأَرْضِ (السَّرَبِ) .

فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذَلِكَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَبْغِيهِ وَنُرِيدُهُ مِنْ سَفَرِنَا - وَهُوَ فَقْدُ الحُوتِ - لأَنَّنَا وُعِدْنَا بِلِقَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي المَكَانِ الَّّذِي نَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ، فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا فِي السَّيّرِ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلى الصَّخْرَةِ.

فَوَجَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ رَجُلًا عِنْدَ الصَّخْرَةِ مُسَجًّى بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إِنَّ أَهْلَ أَرْضِكَ لاَ يَعْرِفُونَ السَّلاَمَ. وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى الرَّجُلَ بِأَنَّ اللهُ آتَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.

قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّهُ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّهُ جَاءَهُ لِيُعَلِّمَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، لِيَسْتَرْشِدَ بِهِ، فَهَلْ يَسْمَحُ لَهُ بِمُرَافَقَتِهِ؟

فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ لاَ يَعْلَمُهُ مُوسَى، وَلاَ يَسْتَطِيعُ مُوسَى أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مُرَافَقَتِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَهُ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَى أُمُورٍ لاَ تَعْرِفُ أَنْتَ خَفَايَاهَا، وَالمَصْلَحَةُ البَاطِنَةُ فِيهَا، التِي أَطْلَعَنِي اللهُ عَلَيْهَا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت