وَجَعَلَ زَكَريَا كَافِلًا لَهَا، إتْمَامًا لِسَعَادَتِهَا، لِتَقْتَبِسَ مِنْهُ العِلْمَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ. وَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا مَكَانَ مُصلاَّهَا (المِحْرَابَ) وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا، فَكَانَ زَكَرِيّا يَسْأَلُهَا مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الرِّزْقُ يَا مَرْيَمُ؟ فَتَرُدُّ عَلَيهِ قََائِلَةً إنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ الذِي يَرْزُقُ النَّاسَ جَمِيعًا بِتَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَهُوَ تَعَالَى يََرْزُقَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ رِزْقًا كَثِيرًا بِلاَ حُدُودٍ؟
فَلَمَّا رَأى زَكَرِيَّا مِنْ كَرَامَاتِ مَرْيَمَ، وَكَانَ قَدِ اشْتَعَلَ رَأسُهُ شَيْبًا، وَأصْبَحَ شَيْخًا طَاعِنًا فِي السِّنِّ، طَمِعَ فِِي أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ صَالِحٌ مِثْلُهَا هِبَةً وَفَضْلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِداءً خَفِيًّا، وَقَالَ: يَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إنَّكَ تَسْمَعُ دُعَاءَ الصَّالِحينَ، وَأنْتَ القَدِيرُ عَلَى الإِجَابَةِ.
فَخَاطَبَتْهُ المَلاَئِكَةُ خِطَابًا سَمِعَهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِهِ، وَمَحلِّ خَلْوَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَقَالَتْ لَهُ إن اللهَ يُبَشِّرُكَ بِوَلدٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيَى، يَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُصَدِّقُ بِعِيسَى الذِي خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، إِذْ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ، وَيَكُونُ حَلِيمًا وَسَيِّدًا يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الشَّرَفِ وَالعِبَادَةِ وَالعِلْمِ، وَيَكُونُ حَصُورًا يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنِ اتِّبَاعِ شَهَواتِها، وَيَكُونُ مَعْصُومًا عَنِ الفَوَاحِشِ، وَسَيَكُونُ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ حِينَمَا يَبْلُغُ سِنَّ النُّبُوَّةِ.
فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَكَرِيَا مِنَ البِشَارَةِ، أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْ وِلاَدَةِ وَلَدٍ لَهُ بَعْدَ الكِبَرِ، فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ، وَقَدْ كَبِرْتُ وامْرأتِي عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ، فَرَدَّ عَلَيهِ المَلَكُ قَائِلًا: إنَّ اللهَ يَفْعَل مَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ، لاَ يُعْجِزُه شَيْءٌ، وَلا يَتَعَاظَمُهُ أَمْرٌ، وَلاَ يَحُولُ دُونَ نَفَاذِ مَشِيئَتِهِ حَائِلٌ.
قَالَ زَكَرِيَّا: رَبِّ اجْعَلْ لِي عَلامَةً (آيةً) أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الوَلَدِ مِنَّي. قَالَ: العَلاَمَةُ عَلَى ذَلِكَ هِيَ أَنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ مَعَ اسْتِواءِ صِحَّتِكَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ كَامِلَةٍ. ثُمّ أَمَرَهُ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحِهِ في الصَّباحِ وَالمَسَاءِ حِينَمَا تَعْرِضُ لَهُ هذِهِ الحَالَةُ.
وقال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا