فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 420

قبل، وإما لأن الله تعالى اختاره لمناسبة ما يعتري الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس، ولعل هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب، فقالوا: غراب البين.

وفي روح المعاني: والحكمة من كون الغراب هو المبعوث دون غيره من الحيوانات كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب، وذلك مناسبة لهذه القصة.

والغراب بطبيعته يبحث في الأرض دائما بمنقاره ورجليه عن رزقه، وربما دفن الأماكن التي نبشها، ولعل من الحكم في ذلك أن على المسلم أن يتعلم من كل ما حوله ولو كان دونه في المنزلة، فإن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

فقد بعث الله تعالى هذا الحيوان لابن آدم الأول ليتعلم منه كيفية دفن الموتى والتي هي فريضة على جميع الناس على الكفاية، فيجب دفن الإنسان ولو كان غير مسلم، كما قال سبحانه وتعالى: ألَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا {النبأ: 25 - 26} . وقال: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ {عبس: 21} .

والحاصل أن قصص القرآن الكريم كلها عظات وعبر ودروس إذا تأمل فيها المؤمن

*وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقة كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم.

وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما يصلحه [1] .

*- مشروعية التقرب الى الله تعالى بما يحب أن يتقرب به إليه تعالى.

*- عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة.

*- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإِخلاص فيها لله تعالى.

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1241)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت