الناس من الخير والشر في دار الابتلاء. ومن هنا كان ذلك الربط بين الاستغفار والتوبة , وبين المتاع الحسن وإرسال السماء مدرارا. . . فكل أولئك موصول بمصدر واحد هو الحق المتمثل في ذات الله سبحانه وفي قضائه وقدره , وفي تدبيره وتصريفه , وفي حسابه وجزائه , في الخير وفي الشر سواء.
*ونقف أمام تلك المواجهة الأخيرة من هود لقومه ; وأمام تلك المفاصلة التي قذف بها في وجوههم في حسم كامل , وفي تحد سافر , وفي استعلاء بالحق الذي معه , وثقة في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه بينة:
(قال: إني أشهد الله , واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه , فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم , ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها , إن ربي على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم , ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا , إن ربي على كل شيء حفيظ) . .
إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلا أمام هذا المشهد الباهر. . رجل واحد , لم يؤمن معه إلا قليل , يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم , كما جاء عنهم في قول الله تعالى فيهم حكاية عما واجههم به أخوهم هود في السورة الأخرى: (كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تتقون ? إني لكم رسول أمين , فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتبنون بكل ريع آية تعبثون ? وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قالوا: سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين) !. . [الشعراء:123 - 138]
فهؤلاء العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة ; والذين أبطرتهم النعمة ; والذين يقيمون المصانع يرجون
من ورائها الامتداد والخلود!. . هؤلاء هم الذين واجههم هود - عليه السلام - هذه المواجهة. في شجاعة المؤمن واستعلائه وثقته واطمئنانه ; وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة الكاملة - وهم قومه - وتحداهم أن يكيدوه بلا إمهال. وأن يفعلوا ما في