بعد أن يفيض في ذكر تاريخه، وهو يستعرض التاريخ، يستعرض فعالية الإيمان، يستعرض الواقع المرير الذي يعيشه يستعرض واقعه الشخصي في هذه القصيدة، كيف يعيش الألم المتواصل في كل ليلة. بعد ذلك كله من الاستعراض الطويل في الشكوى يأتيه جواب الشكوى من السماء لماذا حصل بكم يا أهل الإسلام ما حصل، أنتم تنتسبون للدين، عندكم القرآن، عندكم الأئمة وعندكم التاريخ، وعندكم كذا وكذا، لماذا أصبحتم هكذا، فيأتي الجواب إليه، لذلك سميت شكوى وجواب شكوى.
فهي صياغة شعرية لفكرته: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، هذه فكرة القصيدة. فهذا جواب على سؤال الوضع المَرَضيّ الذي عشناه منذ أن دكَّت طلائع الاستعمار بلادنا وهزمتنا ودمرتنا، وبدأت عوامل الانهيار الكلي في مفهوم الأمة ووجودها.
النقطة الثانية أن هذه القصيدة صيغت باللغة الأوردية فكيف تحولت إلى هذا الشجن الجميل وهذا الغناء الرائق؟ هذه قضية غريبة؛ أن إقبال صاغها بالأوردو والذي صاغها عربيًا لا يعرف أي كلمة أوردو! وهو الصاوي شعلان، أحدهم من دار الأعظمي وهم القائمون على دار الندوة، تكلمنا عن الأستاذ أبي الحسن الندوي ودار الندوة، وأنه أنشأها من أجل تعلم اللغة العربية لأنه رأى أن المدارس الدينية في ديوباند تُخرِّجهم من غير لغة عربية، يقرأون ديوان الحماسة وشرحه ولا يعرفون أن يتكلموا كلمة عربية واحدة.
فكان مصطفى الأعظمي يترجم شعر إقبال إلى العربية، فيأخذها الصاوي شعلان -وكان ضريرًا- ويصيغ الأفكار شعرًا، فوصلت إلينا نحن العرب بهذه الصياغة، كتبها إقبال بالأوردية وترجمها مصطفى الأعظمي وترجمها رجل لا يعرف من الأوردية شيئًا هو الأستاذ الصاوي شعلان الضرير.
الآن أنتم تعرفونها لأنها مشتهرة، وهنا يأتي دور التغني بتذوق الشعر، يعني لماذا نحب هذه القصيدة؟ لأن هناك من غنَّاها، الآن أنتم لا تحفظون الشعر إلا ما غُني، بل في الحقيقة لو قيل لأحدنا كم تحفظ من الشعر؟ لوجد أن أغلب الشعر الذي أخذه عن طريق السماع، ولذلك أول مبحث من مباحث: فن القراءة من الذي يعشق العين أم الأذن؟ أنا على قاعدة أبي العلاء: والأذن تعشق قبل العين، عشق الأذن أعظم من عشق العين، حتى أنهم يقولون بأن الأفكار التي تطرُق الأذن أعظم تأثيرًا وبقاءً من الأفكار التي تطرق العين، وأنا لا أريد أن أدخل في الخصومة من هو الأفضل الأذن أم العين، يكفي ما قاله ابن قتيبة في (المعارف) أنه جعل الأذن أعظم من النظر، وقال لا يوجد نبي أصم لكن يوجد أنبياء أعمياء، فدل على أنه يمكن الاستغناء عن النظر لكنه لا يمكن الاستغناء عن السماع.