فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 715

هذه المعالم هو إدراك الصواب والخطأ؛ لأنك لا يمكن أن تثبت أن القرآن لم يتغيّر ولم يتبدّل حتى تعرف تاريخه، -هذا تكلمنا عنه وشرحناه-. وأن وجود الظلام في تاريخ شخصية ما أو في وجود كتاب ما، يعني أن هذه الشخصية قد دخلتها الأسطورة والخرافة، عندما نقول: من الذي حدّثك بأخبار أبي زيد الهلالي؟ تجد الناس يتحدثون بهذا يقولون: هكذا سمعناها، من هي الشخصية التي نقلت إليك؟ لا يستطيع أن يُجيب؛ لأن هناك فترة من الزمن لم تُعرف هذه القصة ولم يتناقلها الناس ولا تعرفها الأجيال، فإذًا دخلت في حُقبة مظلمة، هذه الحقبة هي التي يُدار فيها الشر والخطأ والدسائس، ويُزاد عليها ويُنقص منها.

فإذا بقيت العلوم والمعارف على السطح ولا تُتداول في الأقبية بقيت تحت الشمس، هذه العلوم تبقى تحت الشمس جليّة واضحة يُراقب الناس حركتها، يراقب الناس الزيادة فيها والنقصان منها. فالتاريخ هو حَكَم بين الناس في إظهار الحقائق وتمييز الصدق من الكذب. ونحن عندما نقرأ تاريخنا يجب علينا أن نقرأه بعناية الناظر وعناية المؤمن، والمؤمن لا يمكن أن يكون كذلك في ديننا حتى يكون عاقلًا.

ماذا يعني الإيمان في الأديان الأخرى؟ هو التسليم بلا مناقشة، والتسليم بلا تعقُّل، أول كُتيِّب يُعطى لك من قِبل النصارى (ما هو الإيمان؟) يقول:"اخلع عقلك"!، ينشرون كتبًا صغيرة -ربما غير موجودة في هذه البلاد لكنها موجودة في بلاد أخرى-، كتيّبات ومطويّات صغيرة لنشر الإيمان المسيحي، تجد أن أول مبدأ من مبادئ الإيمان عندهم هو:"اخلع عقلك"؛ لأن الإيمان لا يتعلَّق بالحسابات العقلية، ولا بالطرائق المنطقية التي بها يحكم العقل على الأشياء بالصحة والصواب. يقولون: الإيمان يُضادّ العقل من كل وجه، وهذا باب الشر والتلعُّب؛ لأن الإرادة والعقل هما مناط التكليف، فلا يجوز لنا في أي فترة من الفترات أن نلغي العقل.

حتى الذين قالوا في وقت من الأوقات:"العقل يُسلِّم بصواب النقل ثم استقال"، هذه عليها الكثير من الكلام، وعائشة -رضي الله عنها- التي بين أيدينا ترجمَتُها لا تقبل هذا، منهجها لا يقبل هذا، فتُناقش الصحابة -رضي الله عنهم- وتستدرك عليهم بالرواية؛ أي بالنقل، وبالعقل كذلك، هو منهج.

ولذلك التاريخ نقرؤه بعين الناظر المحقِّق، ونقرؤه كذلك بعين المؤمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت