فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 715

وهنا ندخل لقضية مهمة؛ وهي أن القراءة عندنا هي التي تصنع المثال، وهو ضرورة التربية، التربية لا تنشأ بالموعظة فقط، من أضعف وسائل التربية الموعظة، لا بد أن تتشارك الموعظة مع شيء مهم هو ركن من أركان التربية وهو وجود المثال، التربية بالمثال هي أعظم مناهج التربية، أن تقول له: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، أن ترفع له المثال وتقول: هكذا تكون، لذلك حتى في الإيمان قال: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} ، المثال.

وهذا سنبحثه أصوليًا في هذا الدرس لأنه مهم، وهي قضية إفراغ المنهج من الرجال، هذه طريقة إبليسية، هم يقولون:"لا نناقش المنهج، لا نناقش الدين، لا نناقش النص، نناقش الرجال"، والقصد هو إبطال المنهج من خلال إبطال الرجال، وهذا سنذكره في بيان (سورة النور) وكيف أن المنافقين أرادوا إبطال دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال إبطال المثال الذي حمل هذا المنهج، وهو بيت النبوة المتمثّل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة بعِرضه؛ فإن الرجل يقبل الخطأ من ابنه فيهجره، ويقبل الخطأ من أبيه فيهجره، ويقبل الخطأ من حفيده فيهجره، ولكن لا يقبل المرء قط الخطأ في أهله -في عُرف أهل الفِطَر السليمة.

يمكن أن تقول: ابنك أخطأ، فيقول لك: ابني أخطأ ما دخلي به؟ تقول: أبوك أخطأ، فيقول: ما دخلي به؟ لا يمكن للرجل صاحب الفطرة السديدة السليمة الصحيحة التي لم تتبدَّل ولم تتغيَّر، ولم تُسلَّك مسالك الشر، أن يُقال للرجل: زوجتك أخطأت، فيقول: أنا لا يهمني، وماذا يضرني؟ لا يمكن أن يقولها!.

ولذلك المثال في التربية مهم جدًا، وحِرص القرآن عليه مهم جدًا، والرجال غير الأنبياء وإن كانوا غير مقدَّسين ولا عصمة لهم، ولكنهم يُصبحون في وقت من الأوقات جزءًا من المنهج، تصبح محبة الرجال جزءًا من المنهج، وكما أن القرآن ذكر عن الصالحين مثل إبراهيم -عليه السلام- في براءته من المشركين: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} ، قال:"أف"، قبل أن يقول: لمنهجكم، قبل أن يقول: لدينكم، قال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} ، وقال: {إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ} ، فذكر الرجال قبل المنهج، فكذلك من جهةٍ مُقابلة كما أن البراءة من رجال منهج الباطل قبل الباطل هو منهج قرآني، كذلك اعتبار الرجال الصالحين في المنهج هو من المنهج.

وهذه قضية مهمة، وهي قضية أصولية وقضية من ديننا، ولذلك نحن علينا ألَّا نجعل القراءة مجرَّد ثقافة تنمو بها عقولنا، ولكن القراءة تربية، ومنها إحضار المثال دائمًا، أن يكون قصدك أن تتعلم من أجل أن تُرقِّي مراتبك، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما رغّبنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت