بالقرآن ماذا قال؟ قال: (مَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة) ؛ طيّب في نفسه لكن لا رائحة له، لا يصنع المثال، لا يصنع النموذج، لا يصلح للإمامة، لا ينتقل خيرُه للناس؛ لأن القرآن هو مادة حمل الخير للناس، ولمّا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّةِ ريحها طيب وطعمها طيب) ، فذكر فضلًا داخليًا فيه، وذكر فضلًا خارجيًا فيه؛ إذًا المثال مهم جدًا في ديننا.
وعندما يسأل أحد: لماذا تجعلون أبا بكر وعمر من الدين؟ ذلك لأن هؤلاء حملة الدين، فإذا سقطوا سقط الدين، ومن أهم ما يجب على المرء أن يقرأه: أن يقرأ سير الرجال، وهذا مما حضّ عليه أئمتنا حتى كان يقول سعيد بن المسيّب -رحمه الله-:"ذِكر عُمَر عِبَادة"؛ لأن ذكر عمر يذكّركم بالعدل، يذكّركم بالتقوى، يذكّركم بالصلاح، يذكّركم بالأخذ بالدين بقوة إلى آخر ذلك، فهو دين.
فالذين يطعنون بالرجال تحت ادّعاء أنهم لا يطعنون في المنهج، في الحقيقة هم يطعنون في المنهج، يطعنون في الدين، وهذه لعبة إبليسية يجب علينا أن نحذر منها، لا يمكن لأحد أن يقول: بأنني أعبد الله ولكن لا أصدق الرسول، نقول له: كفرت، ولا يمكن لأحد أن يقول: أنا أصدق الرسول ولا أصدق الصحابة، نقول: كفرت، ولا يمكن أن يقول أحد -هكذا على الجملة-: أنا أصدق الصحابة ولا أصدق التابعين، نقول له: كفرت، لماذا؟ لأن هذا في الحقيقة هو لازم القول، أنك تُبطل الدين، تنسفه من أُسسه.
ولذلك ما هي مبادئ صناعة الحكمة للعابد والتقي والباحث عن الحق؟
أولًا: الملاحظة. ثانيًا: قراءة السِّيَر؛ من أجل أن تتعبّد وأن تزيد عبادتك، أن تنشّط همتك، أن تصنع دينًا متوازيًا، لا بد أن تقرأ سير الرجال، لأن سيرتهم تصنع التوازن الحقيقي في نفسك.
لو أن رجلًا جاء إلى الناس فوعظهم في الزهد من غير أن يُقدِّم المثال، ربما يأخذهم إلى جانب الانحراف، كما تصنع كتب الصوفية من هجران الدنيا بالكلية، فإذا أقمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خيال الناس أن هذا الرجل العظيم كان متزوجًا، وكان يأكل إلخ، وكذلك الصحابة، فإنك تجد نموذج الصحابة نموذجًا إنسانيًا، ولذلك لا بد من النموذج. نحن نقرأ عن علمائنا لأننا نقرأ القرآن، والأمة ورثت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه (كان خلقه القرآن) ، هذه وراثة هي خاصة وكاملة في رسول الله، لكنها سَرَت في