فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 715

ثانيًا: اللغة، ومهم جدًا أن نَعِي أنَّ اللغة ليست وسيلة للتعارف وللتعبير، يعني أنا الآن استخدم وسيلة للاتصال بك التليفون، قد ينقلب هذا التليفون إلى شيء آخر، فهو وسيلة، أما اللغة فليست وسيلة يمكن استبدالها، اللغة هي جزء منك، هي حياتك، هي وسيلة تعاطف، هي وسيلة تفكير، وهي بالنسبة إلينا وعاء هذا الدين.

تصوَّر أن عندك وعاءً فيه مادة، فإذا انكسر الوعاء ذهبت المادة وتلاشت. وليس المقصود باللغة فقط الكلام؛ وإنما نسق الكلام، ثقافة الكلام، نهج الكلام، طريقة نقد الكلام، وهذا الكتاب يتحدَّث عن تغريب النقد.

ونحن أمام معركة للأسف هُزمنا فيها، وصلوا الآن إلى أن يُغيِّروا اللغة -الألفاظ -. هذا الكتاب يتحدث عن قضية أوسع وأعمق عند المثقفين، وهي قضية تغريب النقد الثقافي، كيف يُنقد الكلام.

فالقصد أن هوية الأمة أولًا من دينها، ثانيًا من لغتها، واللغة ليست وسيلة بل هي جزء منك، فهي حامية هذا الدين، فإذا انكسرت هذه اللغة انقطعت الصلة بينك بين خطاب الوحي، بينك وبين خطاب الله لك!

ثالثًا: التاريخ، فأن تفهم التاريخ أن تفهم الحياة، فأن تفهم تاريخ أمتك ومَن تُصارع هو فهم لواقعك، لا يمكن أن تفهم الواقع حتى تفهم التاريخ.

فإذًا مكونات الأمة هي هذه الأركان الثلاثة: الدين، اللغة، التاريخ.

فالصراع حول اللغة هو صراع حول الدين، وأنا أقولها للمرة الألف: الأستاذ مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- لما أقام صراعه ضد"التَّغريبين"الذين يسمونهم"التَّجديدين"، سمى معركته: (تحت راية القرآن) .

لما جاء طه حسين، ومِن قبله ممن كان معه ومِن بعده، هؤلاء حملوا راية التجديد، ولم يقولوا: نريد أن نستبدل لغةً بلغة -رغم أن هناك من قالها-، لكن المسمَّون بالتجديدين لم يقولوا هذا، ولكن قالوا:"نريد أن نجدّد اللغة".

ما المقصود بـ"تجديد اللغة"؟ أي: تغييرها!. فهذه فكرة التجديد وهي فكرة التغربيين صارعها التراثيُّون، ونشأت معارك شديد وكثيرة بين هؤلاء وهؤلاء، كانت ذروتها بين الأستاذ مصطفى صادق الرافعي وطه حسين ومن معه، وهنا نأتي إلى أن الأدوات لم تكن بريئة أو نقية، لم تكن معارك بريئة وشفافة -كما يقولون-، بل كانت هذه المعارك خادعة وماكرة، فلم تكن المعركة متساوية الطرفين، بأسلحة بريئة ظاهرة بيِّنة، بل الكثير من هذه الأسلحة كان خفيًا؛ مثلًا هناك كتاب يجب أن يُقرأ وهو كتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت