فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 715

سلكت طريق الحقّ توصلك إلى النجاة، وإذا سلكت طريق السنن القدرية التي خلقها الله في الوجود فستصل إلى مرادك، وإذا خالفت هذه السنن وخالفت القيم الإلهية الحقّة؛ فإنّ النهاية هي الهلكة والدمار. هذه هي القضيّة التي أراد أن يثبتها وأثبتها، ولكن هو قال:"أنا لا أؤمن بالعبرة"وإنّما العبرة التي أرادها هي أن نستحضر حالة من التاريخ ونطبقها تطبيقًا حرفيًا في زماننا، هو يقول هذا لا يجوز. وهذه كلمة حقّ.

ونحن نعلم جميعًا بأنّ هناك من حاول أن يستنسخ أحداث التاريخ وأن يستجلبها لواقعه ففشل. وأكبر دليل قصة الحَرّة: لمّا جاء مسلم بن عقبة من قبل يزيد، وجاء جيش الشام لحصار المدينة وقد ثارت عليه وخرجت عن بيعة يزيد بن معاوية، فعبد الله بن حنظلة الغسّيل كان رجلًا صالحًا، وكان يرفض القبول لأيّ كلمة تُقال في حقّ يزيد، حتّى إذا زاره في الشام ورأى منه ما رأى؛ رجع المدينة وحرّض أهل المدينة على الثورة وخلع بيعة يزيد. فلمّا خلعوه، أرسل يزيد لهم جيشًا بقيادة رجل يُسمّى مسلم بن عقبة، وسمّاه أهل الإسلام مسرف بن عقبة؛ لما أسرف من الدماء ولما صنع.

ما يهمّنا في هذا الشاهد هو أنّ عبد الله بن حنظلة الغسّيل بعقله غير السننيّ، هو متعبّد ولكنّه غير سنني. والإمام مالك -رحمه الله- علّمنا قاعدة عظيمة (أنّ التقوى تتجزأ وأنّه يمكن للمرء أن يكون تقيًّا في شيء وجاهلًا في شيء) ، وقال:"لقد طفت على كذا وكذا -ألف من المحدثين- في هذه الأساطين -يعني هذه الأعمدة- في المسجد أتقرّب إلى الله بدعائهم ولا أقبل حديثهم". يتقرب إلى الله بدعائهم ولا يقبل حديثهم. هذه قاعدة يجب أن تطّرد الحياة، هناك عابد وهناك عاقل وعالم. والعبادة بمعناها النسكي وإلا فالعبادة بمعناها القرآني يجب أن تكون شاملة لإعمال العقل لأولي الألباب ولقوم يعقلون. لكن يمكن للعقل المسلم أو للإنسان أن يتجزأ، أن يكون صالحًا في شيء ضعيفًا في شيء آخر، كلًّا في شيء عدلًا في شيء آخر، وهكذا.

فمسلم بن عقبة لمّا جاء، قام عبد الله بن حنظلة الغسّيل وأراد أن يصنع صنيع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة لمّا جاءت إليه الأحزاب في غزوة الأحزاب. هذا نموذج أنا أكرّره كثيرًا لأنّه نموذج حاضر في داخل الشخصية المسلمة غير الواعية. فما الحلّ؟ قال احفروا الخندق كما حفر الصحابة الخندق؛ فنصرهم الله.

النتيجة حفروا الخندق، ولم يصنع خندقهم ما صنع الخندق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واجتاحه مسلم بن عقبة ودخل المدينة وأهلك الحرث والنسل وصنع ما ذكرته كتب التاريخ وفيها الكذب وفيها الصحيح. لكن موقعة الحَرّة بقيت عارًا وشنارًا في جبين تاريخ أهل الإسلام لما وقع فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت