فالعلماء يأخذ بعضهم من بعض، ولكن لا شك أن القاضي عياض مالكي وينتصر لمذهبه، وأما تأثر العلماء بمذاهبهم فشيء معروف. وهذا لا نستطيع أن نلغيه ولا نستطيع أن نتجاوزه، والعلماء لهم طرق. وإنما للأمانة الذهبي ليس منهم، وإن زعم تلميذه السبكي الابن، فهناك السبكي الأب والسبكي الابن، والسبكي الأب هو الفقيه، والابن فقيه وله أبناء فقهاء كبهاء الدين اللغوي له كتاب في الإعجاز وله كتاب في البلاغة وابنه تاج الدين صاحب كتاب طبقات الشافعية يتهم أستاذه وشيخه الذهبي بأنه متعصب ضد الشافعية مناصرةً للحنابلة، وهذا غير صحيح في الحقيقة، وله كتاب في هذا، واستلّها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله من طبقات الشافعية لأنها رسالة موجودة في داخل كتاب طبقات الشافعية وأفردها بالتصنيف وأخرجها مع التعليق.
فهو اتهم الذهبي أنه يماري الحنابلة ويعادي الأشاعرة، والحق أن الذهبي كان ذهبيًا، يقيس بالذهب، والذهبي شافعي، ولكن على قاعدة زاهد الكوثري -رحمه الله- بأنه من ضحايا ابن تيمية، يعني الذهبي وابن كثير وابن القيم والبرزالي ويوسف بن عبد الهادي هؤلاء يسميهم الكوثري ضحايا ابن تيمية، يعني ممن أفسدهم ابن تيمية. فأظن الذي رآه الشيخ ممكنا، فالمذاهب لها دور في الآراء ولا شك.
الشيخ أبو محمد المقدسي -حفظه الله-: لا شك أن كثيرا من العلماء أثنوا على القاضي عياض ثناءً كبيرًا مثلما ذكرت، حتى أن هناك مقولة مشهورة تقول:"إنما لفت علماء المشرق إلى المغرب القاضي عياض"، كأنه قبل القاضي عياض لم يكن هناك نظر إلى المغرب، وهو الذي أبرز شأن المغرب بنبوغه وبكتاباته.
ولهذا الكتاب شأن عظيم جدًا لا شك، ومثلما ذكر الشيخ في مطلع حديثه أننا بحاجة إلى إبراز حقوق المصطفى وتعظيم شأنه؛ لأنه كما قيل كثرة الإمساس تورث قلة الإحساس، وهم يريدون، أي أعداء المصطفى وأعداء الدين، يريدون أن يكرروا ويمنهجوا إسماع الأمة شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - والنقيصة منه والوقيعة فيه حتى تعتاد الأسماع ولا تعد تستنكر ويصبح السب شيئًا عاديًا، مثلما نرى الآن المذابح في الأمة، من كثرتها ما عادت الأخبار تحرك الدموع أو توجع القلوب، فكذلك الإكثار من الاستهزاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والطعن به، ربما هم يظنون أن ذلك يصبح شيئًا عاديًا عند أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فواجب علينا نحن وعلى عموم هذه الأمة تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقابل هذه الهجمة وإبراز أمثال هذه الكتب الطيبة التي خُصصت بتعظيم المصطفى وتعظيم جنابه. ولذلك مهما قيل في كتاب الشفا من انتقادات، فعذر القاضي عياض هذه المسألة،