فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 715

هذه تذكرني بكلمة لابن القيم في نسبتها لابن تيمية في (مدارج السالكين) ، يقول:"سألت شيخي ابن تيمية عن قضية ما هو الأفضل أبقى ماشيًا في الطريق أم أبحث في نفسي عن أمراضها لأعالجها؟ قال له: لو كنت أنت ماشيًا في طريق وحولها الأوساخ مغطّاة، لو انشغلت أنت بكشف الأوساخ لتردمها بعد ذلك لما وصلت للنهاية، فالمطلوب أن تتركها وراءك وتمشي".

ويتكلم عن الدُّخلاء على العلوم وأرجو أن تُرجع إليه.

لكن هنا له كلمة، ولا أريد أن أطيل وأظهر العضلات في الرد عليه، لكن هي كلمة ليست مقبولة من ابن حزم، ويذكر أصل المسألة من فقهه -رحمه الله-، لكن أن يُمثِّل لها فقد يخالف وقد تخالفه، وهي قضية: هل هناك من العلم ما لا يمكن أن تبلغ فيه قرارًا وتبقى في قضية العماء فيه؟ الجواب: نعم، وهو يُمثِّل لهذا، يقول: هناك بعض العلوم العلم بها كالجهل بها، ليس من قبيل عدم اهتمامها، ولكن العلم هو الجهل، لأنه لا ينتهي إلى قرار ويمثّل بالتالي، يقول:"وقف العلم عند الجهل بصفات الباري -عز وجل-."، يمكن أن تُحمل على التكييف، يعني ما هو علمك بكيفية هذه الصفة؟ هو الجهل، ويمكن أن تُحمل على طريقته لأن ابن حزم من المؤوِّلة للصفات، فهي عبارة تحتاج إلى التقييد ممن يريد أن يشرح هذا الكتاب.

من فوائد هذا الكتاب الاهتمام بالإخوان والصداقة، وهذا باب مهم، أساس الارتكاز فيه على أنه يجب عليك إن أردت أن تكون عاقلًا أن تعرف قيمة الشيء وهو في يدك، من غرائب الأمور التي تقع، أن المرء حين يكون غائب عنك يكون عظيمًا، فإذا حضر سقطت عظمته وفقد قلبك قيمته، لا لقلة قيمته بل لقلة اعتناءك بما عنده. الرجل يرى كل النساء غير زوجته جميلات، إلا زوجته مسكينة ليست جميلة، حتى إذا تزوج الثانية اكتشف أنها مثل زوجته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (فإن معها الذي معها) ، فإذا تزوج الثالثة كان كذلك، فهي جميلة ما دامت بعيدة أجنبية لا يقدر عليها حتى إذا قدر عليها فقدها، وهكذا الأمر في الصداقة، بل هذا الأمر حتى في الثياب، أنظر للثياب ما شاء الله ما أجملها عليه، حتى إذا ملكتها انتهى أمرها في قلبي.

امتلاك الشيء للأسف عند الضعاف وعند الصغار مُذهب لقيمته، كثير ما كنت أسمع: أتمنى أن أجلس معك يا شيخ، فإذا جئت لم يتهم لك، فهو يضع هذه القاعدة، وهذه لا يفهمها إلا العظماء، فنحن لما نقول: ليتني في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هناك منافقون، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندهم {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} اثنا عشر رجل بقي، فهذه نزعة بشرية لا يفهمها إلا الكبار؛ أن يرى الجمال وهو بين يديه وهو يملكه وهو يتملكه، وليس من قبيل خداع النفس يقول لنفسه: هو جميل، لا هو يكون مدركًا للجمال وهو يراه والجمال تحت يده. هذه كيف تنفع في الصداقة؟ انظر لكلمة ابن حزم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت