فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 715

الصغار حتى يُعلّموا الأطفال الصغار العقيدة، وهذا المتن الصغير للأطفال الصغار من أجل تحصين الطفل المسلم والفتى المسلم من أفكار ومذاهب العبيديين. هذا تلغيز، هذا شيء عظيم عليك أن تفهمه.

وهذه الطريقة لم يستخدمها فقط علماؤنا بل استخدمها خصومنا كذلك، عندما يأتي العُبيدي -العُبيدي هذا ينتسب لفاطمة ليُعطي نفسه الشرعية-، عندما يريد هذا العُبيدي الحاكم والمؤرخ الذي يؤرخ وراءه والذكي الذي يُدير المعركة الخفية؛ معركة الثقافة، معركة الدين، معركة الأدب، معركة الشرعية، عندما يريد أن يُدير هذه المعركة ضد خصومة، فإنه يجد أن أعظم طريقة لإعطاء الشرعية للعُبيدي هو قذف تاريخ هذه الأمة الذي يوازيه ويعاديه.

فعندما يريد المؤرخ الذكي المواكب لحركة العسكر وحركة القوة -التي هي مرجعية وشرعية القوة-، بسط نفوذ العُبيدي على بلاد المسلمين، فهو يريد أن يكون عنده الجيش ويكون عنده السلطان والقوة من أجل أن يفرض خلافته على البلد المسلم، وعلى الواقع المسلم، وعلى جغرافية البلاد المسلمة، فهذا لا يكفي، لا بد من حركة موازية هي حركة ثقافية علمية، تنزع الشرعية عن المقابل وتثبت الشرعية له. ما هي الطريقة لإسقاط شرعية المقابل الذي هو السُّني؟ العودة للتاريخ، وصناعة الأخبار أو تقمُّم الأخبار، بهاتين الطريقتين؛ صناعة الأخبار التي تُسقط شرعية المقابل، الشرعية التي يمتلكها المسلم بالنسبة لقضية التقوى، بم يكون الإمام إمامًا عندنا؟ بالتقوى، بالعلم، بالجهاد، بالعبادة، فهذه يجب أن يستبدلها، فيذهب ويجمع الأخبار من هنا ومن هنا ومن هنا، ويضعها أمام القارئ في حالة واحدة، يقول انظر هذا هو حال مَنْ تأتمُّ به وتعتبره إمامك. فيجمع أولًا ويتقمّم الأخبار التي تصدم المسلم، يقول كان هؤلاء كذلك، معاوية كان كذلك، المعتز كان كذلك؟ المتوكل كان كذلك في فجوره وشرب خمر، يقضي نهاره في القصف واللهو إلخ ..

فهذا إسقاط له من أجل أن يعطي الشرعية للآخر. انظر لهذا المقصد الكلي، ولا يكتب هو في العنوان"بيان فساد الأمويين والعباسيين والصحابة"، لا يكتب ذلك، لكن هو يجمع هذه الأخبار ويقول انظر!، ويبدأ بعد ذلك بصناعة الأخبار، هناك أخبار صحيحة لكنها ليست هي كل الحياة.

الإمام ابن الجوزي عظيم، لما جاء لنقد كتاب (الأغاني) وله كلام شديد -وهو ضمن هذا السياق-، قال أن أعظم ما يصنع هذا الكتاب هو إفساد القارئ؛ لأنه حين يقرأ القارئ هذا الكتاب لا يرى في تاريخ الأمة إلا فسادًا؛ شرب الخمر، إتيان الذُّكران، النساء والصراع حولهن، والبذخ و .. إلخ، وكأن هارون الرشيد انتهى ولم يبقَ منه إلا غِمَّة قبيحة، وكأن المتوكل لما يبقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت